الرجل المائة: يُكسب المعدوم ، ويمنح المحروم ، ويعين على نوائب الدهر !
فيده بالخير ممتدَّة ، ونفسه بالعطايا جِدُّ معتدَّة ، فكفّه لا تعرف الكفَّ عن الجود بما تجد في الرخاء والشدَّة !
يمنح دون أن يجرح ، ويعطي دون أن يخطئ ، ويبذل دون أن يُذِل .
فماله ليس له ، وإن كان القلب ميَّال إلى المال !
وممتلكاته أقرب ما تكون لغيره ، بالرغم من تعلق النفس بما هو نفيس وغالِ !
فهو يقرض من يطلبه ، ويداين من يسأله ..
عن ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مسلمٍ يُقرضُ قَرضًا مرَّتينِ ، إلاَّ كان كصدقتها مرَّةً" [1]
كان يخدم عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى شابٌ يقوم بحوائجه ،ويسمع الحديث منه ، ففقده مرَّة ولم يره ، فسأل عنه ، فقالوا: محبوس على عشرة الآف درهم .
فاستدلَّ ابن المبارك على الغريم ووزن له عشرة الآف ، وحلَّفه ألاَّ يُخبر أحدًا ما عاش ، فأُخرج الرجل من السجن . فجاء الفتى إلى ابن المبارك ، فقال له: أين كنت يافتى فإني لم أرك ؟
قال: يا أبا عبد الرحمن ، كنت محبوسًا بدين . قال: وكيف خلصت ؟ قال: جاء رجلٌ فقضى ديني ولم أدر عنه أو أعرفه ، قال ابن المبارك: فاحمد الله تعالى ! [2]
فلك الله يا عبد الله بن المبارك !
لم يعرف عنك الرجل لكن ربَّ الرجل يعرفك ، وحسبك بربك عليمًا خبيرًا !
وهو ينظر المعسر إلى حين يثري ويويسر..
قال تعالى: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خيرٌ لكم } [3]
عن بريدة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أَنظرَ مُعسِرًا ، فلهُ بكلِّ يومٍ مثلهُ صدقةً ، قبل أن يحِلَّ الدَّينُ ، فإذا حلَّ الدَّينُ فأنظَرَهُ فله بكلِّ يومٍ مثلاهُ صدقة" [4]
(1) صحيح سنن ابن ماجه (2/56) (1972) .
(2) تاريخ بغداد ( 10 /159) .
(3) البقرة: 280
(4) أخرجه أحمد في المسند والحاكم في المستدرك ، انظر: السلسلة الصحيحة (1/126) (86) .