فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 40

استشعرت معه الحاجة فوافقت دون لجاجة .. توحَّد الهدف واتحد الطريق .. فانسلخت من جلدها القديم لتمضي مباركة الخطى بين نساء تلك البادية اللاتي استقبلنها كالأرض الجدباء لاعذب الماء ..

أقبلت تعلمهن الصلاة والتلاوة وتعقد لهن الدروس والمواعظ ..

فغدت أمّةً من الإماء وحدها ! فيا لله ما أسعدها !!

قال تعالى: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [1]

سنةٌ كاملةٌ مضت كومض البرق، كانت كفيلةً بأن تحيل ذلك الظلام الحالك في تلك البادية إلى نور يضيء تلك المسالك ، لينيخ حوله العابد والناسك !

وجاء القرار في نهاية العام بنقل ذلك المعلم إلى مدينته التي ألِف ، ورجوعه إلى مسكنه الذي أعتاد ..

فأقبل يخاطب نفسه ويحاسب روحه ..

لقد غرستُ بذور الخير في أرض الخير فلماذا أرحل عنها قبل أن أراها يانعة فارعة تسرُّ الناظرين ؟!

إنني برحيلي عن هذا المكان أفقد هذا الخير وأُحرم هذا العطاء ..

وسيأتي بعدي غيري ، فإن كان قليل الهمَّة فاتر العزيمة ، لا هدف له ولا غاية ، فبذر الخير التي زرعتها أخشى عليها من العطب ، فالزرع إن لم يُسقى هلك ..

وإن جاء بعدي داعية مبارك ، فسيغنم هذا الخير من دوني ، وسيدرك هذه الأجور التي أنا في أمس الحاجة لها وأشد الفاقة إليها .. فليس هو بأحق مني بالأجر والثواب من رب الأرباب !

و والله إن هؤلاء الناس ليسوا في حاجة لي مثل حاجتي لهم !

أخذ يبكِّت نفسه التي ركنت للراحة والدعة والخمول، ويحاسبها على طلبها الكسل والسكون ، بعد أن رأى إقبال الناس وتقبلهم وحبهم للخير .

فما أطاق فراقهم ! وما احتملوا غيابه !

وربك ما الرزيةُ فقدُ مالٍ ولا شاة تموتُ ولا بعيرُ

ولكنَّ الرزيةَ فقدُ حُرٍّ يموتُ بموته بشرٌ كثيرُ

فمضى إلى مرجعه الرسمي يطالب بالعدول عن النقل الذي سأل ، ليستمرَّ في تربية من يمسك بعده بخطام الراحلة ويقود القافلة ..

(1) الأنبياء:73

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت