قال جعفر بن زيد العبدي: خرجنا في غزوة إلى كابل ، وفي الجيش صلة ابن أشيم رحمه الله تعالى ، قال فنزل الناس عند العتمة ـ أي العشاء ـ ، فقلت لأرمقنَّ عمله ، فأنظر ما يذكر الناس من عبادته وصلاحه ، فصلى العشاء ، ثم اضطجع في فراشه ، فالتمس غفلة الناس عنه ، ومكث حتى هدأت العيون ، ثمَّ قام ، فدخل إلى غيضة ـ موضع به شجر كثيف ـ قريبة منا ، ودخلت في إثره ، فتوضأ ، ثم قام يصلي ، فافتتح الصلاة ، فإذا بأسد عظيم يدنو منه ، فصعدت في شجرة ، وقلت: الآن يفترسه !
وجلس الأسد بجواره وهو قائم يصلي لم ينصرف منها ولم يقطعها ، حتى إذا إنتهى منها ، التفت وقال للأسد: أيها السبع أطلب الرزق من مكان آخر !
فولّى الأسد وإن له زئيرًا مرعبًا تكاد تصدَّع الجبالُ منه ! وعاد صلة ابن أشيم إلى صلاته وكأن شيئًا لم يكن ، حتى إذا أقترب الفجر تسلَّل إلى فراشه ، فأصبح وكأنما بات على الحشايا !! [1]
فذلك سرٌّ بينه وبين مولاه ، ولا يحب أن يطلِّع عليه سواه !
وفي الأحباب مخصوصٌ بوجدٍ وآخر يدَّعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبيَّن من بكى ممن تباكا
والرجل المائة: يحلم على الناس عندما يتجبرون !
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: كنتُ أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهِ بُردٌ نَجرانيٌّ غَليظُ الحاشِيةِ ، فأدركَهُ أعرابيٌّ فجبذَ بردائهِ جبذةً شديدةً ، قال أنسٌ: فنَظرتُ إلى صفحةِ عاتقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد أثَّرت بها حاشِيةُ الرِّداءِ من شِدَّةِ جبذتهِ ، ثمَّ قال: يا محمَّد ! مُر لي مِن مالِ اللهِ الذي عِندكَ ، فألتفتَ إليهِ ، فضَحِكَ ، ثمَّ أمَرَ لهُ بعطاءٍ [2] .
ما كنتُ مذ كنتُ إلا طوعَ خُلاني ليست مؤاخذةُ الإخوان من شأني
يجني الخليلُ فأستحلي جنايتهُ حتى أدلَّ على عفوي وإحساني
(1) الزهد والرقائق ـ ابن المبارك ـ ص 296 ، بتصرف .
(2) صحيح البخاري (7/123) (6088) .