أمَّا الزَّعم القائل بأنَّ الشِّعْر تخلّى عن مكانته المرموقة التي كان عليها قبل وكسدت سوقه في عصر صدر الإسلام، فنردّ عليه بقولنا: تذخر كتب التّاريخ والسِّير والتّراجم والمغازي بكثير من الأشعار في صدر الإسلام، فليس هنالك حدث كبير إلاَّ ويواكبه شعره، ومن زعم أنَّ الشِّعْر ضعف فقد اغترّ بقول ابن خلدون في مقدمته إذ يقول:"انصرف العرب عن الشِّعْر أوّل الإسلام مما شغلهم من أمر الدِّين والنُّبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فأخرسوا عن ذلك، وسكتوا عن الخوض في النَّظم والنَّثر زمنًا، ثُمَّ استقرّ ذلك وأونس الرُّشد، ولم ينزل الوحي في تحرير الشِّعْر وخطره، وسمعه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه" [1] .
يقول الدّكتور/ شوقي ضيف:"ووضح أنَّ هذا لا يَصْدُقُ على المشركين؛ لأنَّهم لم ينشغلوا بالدَّعوة".
ومعروف أنَّ جمهور القبائل العربيّة إنَّما دخل في الإسلام بعد فتح مكة في العام الثّامن للهجرة. وإذن فانصرافهم عن الشِّعْر ـ إنْ صحَّ ـ إنَّما كان لمدة عامين إلى أنْ انتقل الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرَّفيق الأعلى. وابن خلدون بنفسه ينقض كلامه بما قاله في آخره:"لأنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - سمع الشِّعْر وأثاب عليه" [2] .
(1) ابن خلدون: المقدمة، المطبعة البهية، ص 427.
(2) شوقي ضيف: العصر الإسلامي، القاهرة، طبعة عام 1963م، ص 43.