ثانيًا: ... قوة بناء الأمة وتماسكها فإن احتكاك الآراء وتعاون الناس يولد القرب بينهم وتلاقح الأفكار يولّد التنوُّر والتقدم الحضاري ؛ فيتشاورن ويتناصحون ، وهذا يزيد من تماسكهم وتضامنهم لأن الاحتكاك بين المؤمنين يولّد نورًا ولا ريب أن اجتماع المواهب وتعاضدها يؤدي إلى خير كثير، وهذا بخلاف الخوف والكبت فإنهما يولدان التفكك والشك والريبة.
ثالثًا: ... إن المرء متى أُعطِي الفرصة لإبداء رأيه في تقرير مصيره والمشاركة في صناعة القرار أدى ذلك إلى رقي في الأمة وتقدمها، فإننا نجني من وراء حرية التعبير الأفكار النيرة والآراء الصائبة ، فلا تقدم الأمة على أمر إلا وتكون قد عرفت مصالحه وأدركت منافعه [1] .
... من كلام الربانيين: دخل الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري على شيخه إمام الأئمة الفقهاء أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي رحمه الله ورضي عنه وهو يجود بنفسه في مرض موته، فلما صحا قال له: يا يعقوب ؛ احفظ عنّي ؛ إنّك ستدخل على السلطان فلا تبخل عليه بالنصيحة ، ولكن عليك بثلاثة أمور إيّاك أن تغيب عنك:
1-أولًا ؛ انصح للسلطان سرًّا بينك وبينه ، ولا تنصح له أمام أحد من الناس أبدًا , فالنصيحة أمام الناس فضيحة فاحذر . .
2-ثانيًا ؛ وإذا نصحت للسلطان فوقِّره وأعطه حقّه ولا تبخسه مقامه فيُعرض عنك وعن نصيحتك . .
3-ثالثًا ؛ وانصح له بقلب مشفق ؛ بأن تقول له مثلًا:] يا أمير المؤمنين ؛ والله إنّي مشفق عليك ، أخاف أن تغرّك الدنيا وتخدعك عن الآخرة ؛ فاعمل لآخرتك قبل أن يفوتك الأوان [ .
(1) ... ر: ( حقوق الإنسان في العصر النبوي ) للأستاذ الدكتور محمد أحمد الصالح ، ورقة مقدمة في الندوة العلمية حول حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي .