5ً) ... وهناك ضابط خامس: هو عدم مخالفة ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فما أصبح من المسلَّمات كالإيمان بالغيب والصلاة والزكاة ... لا يجوز النقاش في ثبوته أو عدم ثبوته لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة وهذا يدخل ضمن الخلاف الذي لا طائل وراءه ، والحوار الجدلي الذي هو لمجرد الحوار ، ويدخل تحت هذا الضابط عدم التكفير أو التفسيق بلا دليل قاطع ، فلا يجوز أبدًا التهاون في هذا الأمر ، وإن التكفير لأمر عظيم لا ينبغي الخوض في أَوْحَالِه لمجرَّد الظنِّ أو الشبهة أو الوهم ، يقول الإمام الغزالي رحمه الله و - رضي الله عنه - في كتابه: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة: ( ... ولكني أعطيك علامةً صحيحةً مطردةً ومنعكسةً لتتخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفِرَق ، وتطويل اللسان على أهل الإسلام ، وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، صادقين بها غير مناقضين لها ، فأقول: الكفر هو تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شيء مما جاء به ، والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به . . . فكل مكذب للرسول فهو كافر ، وكل كافر فهو مكذِّب للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة ) [1] .
فإذا كانت الحدود تُدرأُ بالشبهات ، فإن الكفر أولى بأن يسقط بالشبهة ، وفي هذا يقول أئمة الحنفية: ( لو عندنا مائة قول ؛ تسعة وتسعون قولًا بكفر إنسان ، وقول واحد بعدم كفره ، لأخذنا بهذا القول الواحد ) [2] .
(1) ... ر: ( فيصل التفرقة ) للإمام الغزالي ص25-26 و53-74 باعتناء محمود بيجو ط1 .
(2) ... ر: ( نحن والآخرون من الصراع إلى الحوار إلى التكامل ) بحث مقدم للدورة السادسة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة المنعقدة في دولة الإمارات العربية المتحدة 1426هـ 2005م للمؤلّف .