الصفحة 34 من 47

صفر ربيع ثان ذو القعدة ? لقد ظهر لي بعد النظر والتأمل في أدلة الفريقين وتمحيص وجوهها ومبانيها بروح نقدية تنشد الحق والصواب أن حجج جمهور الفقهاء المجيزين للتورق صحيحة قوية دامغة، سالمة من الإيراد عليها، بخلاف أدلة المانعين، فإنها ضعيفة واهيةٌ، لا تصمد أمام النقد العلمي النزيه، البعيد عن التقليد والتعصب، ولا يصحّ الركون إليها أو الاعتماد عليها، وإن سعى أربابها بكل سبيل على تخريج حظر التورق على قاعدة سدّ الذرائع ليس إلا ضربًا من الغلو والتنطع المذموم. وقد أحسن العلامة محمد الطاهر ابن عاشور حين لفت عناية أهل الفقه والاجتهاد إلى ضرورة التمييز بين الغلو وسدّ الذرائع في مقام استنباط الأحكام، فقال:"وممّا يجب التنبيه عليه في التفقه والاجتهاد التفرقة بين الغلو في الدين وبين سدّ الذرائع، وهي تفرقة دقيقة. فسدّ الذريعه موقعه وجود المفسدة، والغلو موقعه المبالغة والإغراق في إلحاق مباح بمأمورٍ أو منهي شرعي، أو في إتيان عمل شرعي بأشدّ مما أراده الشارع، بدعوى خشية التقصير عن مراد الشارع، وهو المسمّى في السنة بالتعمّق والتنطع، وفيه مراتب: منها ما يدخل في الورع في خاصة النفس، الذي بعضه إحراج لها، أو الورع في حمل الناس على الحرج، ومنها ما يدخل في معنى الوسوسة المذمومة. ويجب على المستنبطين والمفتين أن يتجنبوا مواقع الغلو والتعمق في حمل الأمة على الشريعة، وما يُسنّ لها من ذلك، وهو موقف عظيم" [1] .

المبحث الثالث

التطبيقات المعاصرة للتورق

"التورق المصرفي المنظم"

( أ ) حقيقة التورق المصرفي المنظم:

(1) ) ... مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور ص 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت