الصفحة 20 من 53

... وقال أيضًا: «ولهذا تجد الصحيح الفطرة لا يحافظ على تلك الشروط، لرؤيته أن مقصود الشروط تحقيق حُكم ما شرُطت له والمنع من شيء آخر، وهو إنما قصد ذاك الآخر لا ما شُرطت له. ولهذا يكون إتيانهم بالمحرم الظاهر أنفع لهم وأقل ضررًا عليهم من الإتيان بالحيلة لو كان مقصودهم مباحًا. فعلم أن مقصودهم محرم. مثال ذلك أن من كان مقصوده أخذ ألف بألف ومائتين، فأخْذُها على وجه الربا الظاهر أنفعُ له من المعاملات الربوية. فإنه يأخذها ألفًا ويبقى في ذمته ألف ومائتان. وإذا اشترى منه سلعة ثم باعها لثالث، يعيدها للأول أو لا يعيدها، فإنه في الغالب يزداد تعبه وعمله وتنقص نفقته. فإنه يذهب بعض المال أجرة الدلال وبعضه من إعطاء الثالث المعين أو من خازنها إذا بيعت، فلا تسلم له الألف المقصودة من المعاملة الربوية كما تسلم له مع الربا الظاهر، فيكون الربا أنفع لهم من هذه الحيل. والشارع حكيم رحيم، لا يحرم ما ينفع ويبيح ما هو أقل نفعًا، ولا يحرم ما فيه ضرر ويبيح ما هو أكثر ضررًا منه. فإذا كان قد حرّم الربا فتحريمه لهذه المعاملات أشد. ولو قدّر أنه أباحها، لكانت إباحته للربا الظاهر أولى» [1] .

... فإذا كان هناك معاملتان تستويان في النتيجة والهدف والغاية، إحداهما أكثر كلفة ومشقة من الثانية، فإن جواز الأكثر مشقة يستلزم بالضرورة جواز الأقل مشقة. وتحريم الأقل مشقة يستلزم بالضرورة تحريم الأكثر مشقة. والقول بخلاف ذلك متناقض ومناف لمنهج التشريع.

... ولهذا السبب فإن السماح بالعينة من جهة المدين سيؤدي بطبيعة النشاط الاقتصادي إلى الوقوع في العينة الثنائية، ومن ثم الوقوع في الربا. فإن الإجراءات عديمة الفائدة تحت ضغط المنافسة والربحية ستقود مآلًا إلى الربا. فسد الذرائع يقتضي منع الربا من جهة المدين حتى لو فرض جدلًا جوازه مجردًا.

خلاصة

(1) ... «بيان الدليل» (ص268) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت