... فالشافعي الذي يصحح بيع العينة، يبطلها إذا ظهرت النية وصرح المتعاقدان بمقصودهما عند التعاقد، فغيره من العلماء الذين يمنعون العينة الثنائية ابتداء من باب أولى. أي أن العينة إذا نفذت بوضوح وشفافية وبيان لقصد المتعاملين، بطلت عند جماهير العلماء. ... وهذا ما يجعل أهل العينة يلجؤون إلى تغييب الشفافية والوضوح في التعامل، من خلال فصل العقود عن بعضها وعدم التصريح فيها بالهدف منها، مع أن هذه العقود لا تتم إلا مجتمعة، والهدف منها يعرفه جميع الأطراف، وهو النقد الحاضر بزيادة في الذمة. فالعينة إذن تناقض مقصد الشرع من الوضوح والبيان والشفافية. ولكن مع الكتمان وعدم الوضوح تمحق بركة البيع، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهذا يبين المأزق الذي تواجهه الحيل الربوية، فهي بين نارين: إما الكتمان وإما البطلان. فالعينة لا توفر بيئة صحية للتعاملات المالية، فلا يمكن أن تكون أساسًا لنمو الصناعة المالية الإسلامية.
رفع الحرج
... مقصود العينة هو حصول المدين على النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة، وهذه هي نتيجة الربا. لكن العينة تتضمن من التكاليف والإجراءات والعقود ما لا يحقق أي مصلحة، كما سبق. والذين يجيزون العينة يجعلون هذه الإجراءات مقصودة ومطلوبة لجواز المعاملة، مع خلوها من أي نفع للمدين. وهذا يقتضي أن هذه التكاليف الإضافية مقصودة لذاتها لا لمصلحة المتبايعين. وهذا ينافي قاعدة الشرع في كون المشقة غير مرادة لذاتها، بل جاء الشرع بضدها وهو اليسر ورفع الحرج. [1] قال شيخ الإسلام: «المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها. فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه» . [2]
(1) ... انظر الفتاوى، 10/620-622، و «رفع الحرج في الشريعة الإسلامية» ، يعقوب الباحسين، ص131-140.
(2) ... «إعلام الموقعين» (5/86-87) .