ومن المعلوم أن كتاب المبسوط في شرح كتب ظاهر الرواية، صنفها محمد الشيباني، حرر فيها المذهب النعماني - كما جاء شعرًا - واعتبر التورق في معنى قرض جر منفعة؛ وكتاب الهداية مصدر رئيس في بيان المذهب الحنفي، وفيه الجزم بعدم جواز العينة بمعنى التورق.
وبيَّن ابن عابدين اختلاف المشايخ؛ أي مشايخ الحنفية -في تفسير العينة التي ورد النهي عنها، وأول معنى ذكره هو معنى التورق.
أما قول أبي يوسف في بيع العين بالربح: لا يكره هذا البيع لأنه فعله كثير من الصحابة، وحمدوا على ذلك ولم يعدوه من الربا، حتى لو باع كاغدة بألف يجوز ولا يكره، وقوله: العينة جائزة مأجور من عمل بها، هذان القولان يدلان على أنه قصد بالعينة البيع الآجل وليس التورق؛ فهذا هو ما تعامل به الصحابة الكرام، وتعامل الصحابة مع عبارته مأجور من عمل بها لا تدل على البيع الآجل فقط؛ بل على البيع الآجل مع سماحة البائع، والتيسير على المشتري.
وقول محمد: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال، ذميم اخترعه أكلة الربا، ذكر هذا القول لا يدل على بيان مجرد المنع، وإنما التغليظ فيه.
والجزم بالمنع في المبسوط والهداية، وقول الحصكفي في شرح قول التمرتاشي: بيع العينة؛ أي بيع العين بالربح نسيئة ليبيعها المستقرض بأقل ليقضي دينه، اخترعه أكلة الربا، وهو مكروه مذموم شرعًا لما فيه من الإعراض عن مبرة القرض، هذا كله دون ذكر أن الإمام أبا حنيفة أجازه لعله يرجح أن المنع هو رأي الإمام.
وما ذكره في الفتح: إذا باعه المديون في السوق فلا كراهة فيه، بل خلاف الأولى يدل على أنه رأي شخصي له لقوله في بداية حديثه: إن الذي يقع في قلبي... ثم إنه يعارض قول من ذكرنا من السابقين من أئمة المذهب خلال سبعة قرون أو أكثر. وفي الفتح لم يذكر أيضًا أن الإمام أبا حنيفة أجازه، أو جعله خلاف الأولى، وهذا يزيد من ترجيح أن الإمام يرى المنع، دون أن يرد عنه تغليظ فيه كما ورد عن صاحبه محمد.