يروى ابن الرامي ( توفي عام 179 هـ ) في كتابه ( الإعلان بأحكام البنيان ) أن مجموعة من الناس أقاموا بوابة لحارتهم، يفتح بابها على حائط جار لهم، فقاضاهم هذا الرجل بدعوى أن فتح الباب وغلقه المستمرين قد أضرا به وأقلقا راحته، فتحري ابن الرامي الأمر ووجد الحائط يتذبذب من جراء فتح الباب وغلقه فأمر القاضي بهدم البوابة وإزالة بابها. أما القسم الثاني: من الضرر فينتج عن الأصوات التي تسبب الضيق دون الضرر. وقد اختلف الفقهاء في حكمهم عليه . فلم يعتبره الفقهاء الأوائل ضررًا يجب درؤه. فالمطرف وابن الماجيشون والأصبغ رأوا عدم إيقاف الغسال والضراب لمجرد أن ضوضاء عملهما تقلق الجيران، بل ذهب ابن القطان إلى عدم جواز منع أحد من ضرب الحديد في منزله وإن كان يفعله ليل نهار بشرط أن يعتمد معاشه على ذلك، أما من لحقهم من الفقهاء فقد كان لهم رأي مغاير، فاعتبروا الصوت والصدى ضوضاء ومصدرًا للضرر يجب درؤه. فقد وضع قضاة طليطلة - حسب رواية ابن الرامي - قواعد صارمة لمنع وجود الكمادين لمايسببون من ضرر وضيق للجيران بما يصدر عنهم من أصوات. كما أعرب القاضي ابن عبد الرافع في تونس عن تفضيله منع بناء حظائر الحيوانات متاخمة للمباني لما تسببه حركة الحيوانات الدائمة أثناء الليل والنهار من إزعاج قد يمنع الجيران من النوم [1] "."
لقد تأسس الاجتهاد الفقهي في مجمله وفي موضوع البيئة بصورة خاصة على جملة من القواعد التي احتواها علم أصول الفقه والذي بين فيه الأصوليون أن أحكام الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في الحياة وبعد الممات وذلك انطلاقًا مما قررته آيات القرآن الكريم وبينته سنة الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، ويمكن أن نشير هنا إلى قضيتين أساسيتين لهما صلة بموضوع البيئة:
(1) م. ... محمد عبد القادر الفقهي مكتبة ابن سينا القاهرة /البيئة مشاكلها وقضاياها وحمايتها من التلوث ( رؤية إسلامية ) / ص 86 .