أولى فقهاؤنا القدامى البيئة اهتمامًا كبيرًا ترجم ما أمر به القرآن الكريم في نصوص تشريعية تناولت قضايا متعددة ذات صلة بالأرض واستغلالها والحيوانات وحمايتها وغير ذلك من الأمور التي تحقق كل نفع للإنسان وتمنع عنه كل ضرر، وإذا جاز لنا أن نذكر أمثلة لذلك فإننا نذكر ما صاغه الإمام مالك والإمام أبو حنيفة من مبادئ حول عدم شرعية ممارسة الحق المؤدي إلى ضرر وخاصة فيما يتعلق بملاك الأراضي واستعمالاتهم لها المؤدية إلى الإضرار بالآخرين، وكذلك ما وضعه أبو يوسف من قيود على حقوق الأفراد والسلطات في زراعة الأرض البكر حين تسفر عن ضرر بالغ، ومثل ذلك ما وضعه ابن قدامة من قيود على استخراج المياه الجوفية إذ ليس للإنسان الحق في أن يؤثر على بئر جاره تأثيرًا سيئًا عن طريق خفض النطاق المائي أو تلويث الطبقة الصخرية المائية" [1] ،وتحدث الفقهاء بتفصيلات دقيقة عن المياه والطهارة بجميع أنواعها شخصية كانت أو بيئية، كما تحدثوا عن النباتات والزروع وما يتعلق بها من أحكام تحميها من القطع والإفساد، وتحدثوا عن إحياء الأرض الموات وما يؤدي إلى ذلك من حماية للنظام البيئي وتوازنه، وتناولوا أيضًا الكثير من القضايا التي تعالج مسألة التلوث وآثارها الضارة بالإنسان والمجتمع ومن ذلك مثلًا التلوث السمعي الذي عالجه الفقهاء كأحد الأضرار التي يجب أن تدفع عن الإنسان حيث يقول أحد الباحثين في ذلك:"وقد قسم الفقهاء الضرر الناتج عن الأصوات إلى قسمين: ضرر يجب درؤه، وضرر يمكن احتماله ، ومثال القسم الأول: الأصوات والذبذبات الناتجة عن حركة البوابات إذ إنها تؤثر على سلامة المباني المجاورة لها.
(1) ... ضياء الدين سيدار / نحو نظرية إسلامية عن البيئة / تزكية البطراوي / مج المسلم المعاصر / س 15 / ع59 1994 / ص 87 وما بعدها .