الصفحة 33 من 50

فلأن قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده من العمل موافقا لقصد الشارع من التشريع ،لابد من تعديل نية المكلف وقصده ،فقد يكون الفعل مشروعا ، كتأديب الولد لمصلحة يفترضها المربي. وغالبا ما يريد المربي الإمساك بزمام الأمور، لإحكام السيطرة وعدم تفلت الولد. غير أن هذا المسلك له ضوابطه الشرعية ،التى تجاهلها ، فيؤدي سلوكه إلى مآل غير مشروع ،لفقدانه ضوابط الشرع وعدم تغليب مصلحة الولد ،من منظور الشرع ،على المصلحة الفردية الظاهرة في التأديب لإخضاع الولد. فلابد للوالدين من أن يسألا أنفسهما أولا ما الهدف من التعنيف والعنف بالأسلوب الخاطىء الذي شرحناه سالفا؟ هل سيأتي بنتائج تواكب مقصد الشرع أم تأتي بعكس ذلك من نتائج سلبية؟ فإذا غفل المربي عن نتائج الأفعال، فقد غفل عن النية في انتقائها. فالتعنيف كهدف في حد ذاته يتنافى مع إنزال الألم على الفرد المسلم، لتناقض ذلك مع قيم الدين ،التى سنفصلها ببيان المنهج التربوي.

إذن فالنية لابد أن تمحّص قبل الإقدام على الفعل. ويدل على ذلك أحاديث كثيرة، منها الحديث المعروف عند العلماء والعوام"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو إلى امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه." [1] ومن القواعد الشرعية أيضا أن المشقّة تجلب التيسير، ودليلها: قول الله تعالى"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (الحج:78 ) وقوله صلى الله عليه وسلم"بعثت بالحنيفية السَّمْحَة."كما أن أي ضرر واقع يُزال فورا بحكم الشرع ، والأدلة القرآنية كثيرة، منها"وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو" (الأنعام:17، يونس:107) وقوله"وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما" (يونس: 12) . والضرر هو ما يكون بغير قصد ، والضرارما يكون بقصد.

(1) ... رواه عمر بن الخطاب وورد في البخارى في الجامع الصحيح برقم 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت