فهي رسالة قرآنية قوية تدفع الإنسان مرارا للرحمة والتراحم ، حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من كيانه الإنساني، وفؤاده وإيمانه بأصل الرحمة ومنبعها. وقد وردت في القرآن على ستة عشر وجه، في حوالي مئتين وثمانية وستين موضعًا. وهى تدل على العطف والحنان. ومن يملكها يكون غنيا في خلقه، ثريا في روحه، معطاء في حنانه. يقال: رحمه يرحمه، إذا رقَّ له، وتعطف عليه. والرُّحم والمرحمة والرحمة بمعنى واحد ، وهى تتلازم مع الرقة ودماثة الخلق ورقي السلوك ، لأنها منّة من الله تتجلى في آيات كثيرة منها"رَأْفَةً وَرَحْمَةً" (الحديد27. (ويؤكد الله عز وجل أنها نعمة ترفع القسر والضيق والضغط والكربات، فالتخفيف والتيسير من الرحمة، كما يؤكد سبحانه: "ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ"(البقرة: 178) . وهى منّة منه سبحانه يعصم بها المرء من نفسه الأمّارة بالسوء . إن قسوة القلب ، والغلظة ، والغضب ، والعنف كلها صفات طبيعية أو مكتسبة، تدل على التخلق بما ليس هو حسن ولا يؤدي إلى حسن، فهي صفات سيئة تؤدي إلى ما هو سيء. ولهذا فالله يرحم عباده بالإنعام عليهم بها ،كما قال سبحانه:"إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى" (يوسف:53) وهو يصطفي من يشاء ليزكيه بها ،"يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ" (البقرة: 105) ومثلها"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" (فاطر:2) . ورحمة الله بعباده كنبع لا ينضب؛ فقد صوره الله لنا بأنه لا نهائي"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي لأمسكتم خشية الإنفاق" (الإسراء:100) . كل هذا ليعترف العبد بنعمة الله عليه وكل هذا أيضا يحث العبد على العطاء الوجداني والعاطفي بدون إحصاء ،لأن الله لا يحصي ما يعطي لعباده. وهو جل وعلا الحنّان المنّان ،الذي يغدق على من سعى إليه باستجابة لا حد لها ويرزق من يشاء بغير حساب."