هكذا تجلت أسباب الهزيمة والنصر، أسباب التقدم والتأخر، وقد بين الله تعالى جليا في كتابه سبب التمكين في الأرض، الذي يرجوه جميع المسلمين، سواء حصل ذلك عن طريق الحروب مع الأعداء، أو عن طريق السلامة منها، مع أنه العادة في كل تقدم ألا يأتي إلا بعد انتصارات حربية، لكن حصول تقدم من طريق السلم المحض ممكن غير محال، فقال:
- {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لايشركون بي شيئا فمن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} .
فذكر شروط التمكين والاستخلاف، وهو يتضمن التقدم؛ إذ لا يمكّن في الأرض إلا متقدم، وهي:
-الإيمان، والعمل الصالح.
-عبادة الله وحده لا شريك له، وانتفاء الكفر.
فذكر اثنين مما سبق، ولم يذكر الزهد؛ لأن معرفة كونه شرطا، جاء من النظر في حال المنتصرين، فكانوا جميعا على حال واحدة من الزهد. ولم يذكر إعداد القوة؛ لأنها مذكورة في آيات أخرى:
- {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..} .
وقد يكون عدم ذكره بسبب أن التمكين والاستخلاف في الآية، لم يكن نتيجة قتال وحرب، بل ظاهره يحتمل أن يكون من طريق السلم.
ولم يذكر كذلك الأسباب المادية للبناء والتقدم، وهو عمارة الأرض، والسير في مناكبها للكشف عما فيها من خيرات؛ لأن حب البناء مركوز في الفطر، وإنما الآيات تذكر في العادة بما قد يخفى، أو يهمل وينسى، لا ما كان حاضرا في الذهن والواقع، فالناس في سعي مستمر لا يكفون، هذا خلقهم وديدنهم، ومع ذلك فإن النصوص لم تفوت الإشارة - بعض الأحيان - إلى ذلك.
فظهر بهذا سبب الهزيمة، ليس منه: عدم الكفاءة في: العدد، أو العتاد، أو الاقتصاد، أو التنظيم، أو الحضارة، أو الصناعة. بل ضعف الإيمان، وتعظيم الدنيا يضعف الإيمان، وتعظيم الآخرة يقويه.
أساس البناء