فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 24

كلا، ليس الأمر كذلك، ولم يكونوا كذلك يوما، إلا طوائف ممن غلا في التصوف، ولا نظن أنه بقي إلى اليوم أحد يمثل هذه الحالة، ما بقي إلا المعظمون للدنيا، والذين لم يحسنوا استغلالها كما الغرب.

فصاحب هذا الرأي، هل يريد أن يرجع باللائمة على الشريعة؛ أنها كرست تهوين الدنيا، وإهمالها، فلما لم يمكنه ذلك؛ لأنه طعن واتهام مباشر، رجع إلى المسلمين فنبزهم بها، وألقى عليهم باللوم ؟.

أو أنه استعصى عليه فهم الواقع، وظروفه، وأسباب تكوينه، فنظر في طريقة الغرب في التقدم، فرجحه طريقا، ثم رجع إلى المسلمين ليحملهم على الطريقة نفسها، محذرا من التهوين من شأن الدنيا؛ لأنه بزعمه يهدم خطة إنقاذ الأمة ؟.

أيًا كان، فهو فرض خاطئ، وتشخيص قاصر، فسبب الداء معروف غير مجهول، والدواء كذلك. وما كان الله تعالى ليجعل وسيلة علو الإسلام والنهوض بالأمة، وما يعوق ذلك: مبهما، لا يدركه إلا آحاد الناس. كلا، فهذه قضية كبرى، وعادة الشريعة بيان وإيضاح ما يتعلق بالقضايا الكبرى، في تحصيلها، ونفي العوائق عنها، لعموم الناس وآحادهم.

ومن جهة الشرع، فأمر تعظيم الآخرة - والتهوين من الدنيا - في النصوص الشرعية أظهر من الشمس، وقد تقدمت في الكلام على مثال الإصبع في اليم.

ولنتعرف على سبب تأخر المسلمين، فنضع أيدينا على الداء والدواء، علينا أولًا: أن نتعرف على سبب تقدمهم وعلوهم. فهذا المثال موجود في القرن الأول؛ قرن الصحابة والتابعين، في المائة الأولى.. تمت الفتوحات فيها، فبسط الإسلام سلطانه شرقا إلى الصين، وغربا إلى المحيط الأطلسي، وشمالا إلى أوربا، وجنوبا أفريقيا. في قرن واحد اكتسح الإسلام امبراطوريات كبرى، ذات حضارة مؤثرة وظاهرة، وعظيمة، وذات قوة عسكرية واقتصادية، وثقافة وفكر، وكثافة سكانية، على رأسها فارس والروم. فبأي شيء تقدموا عليهم ؟.

هل كان بحضارة مثيلة، واقتصاد مثيل، أو قوة موازية، أو تقدم مكافئ ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت