فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 24

فمن جهة الأصل، ليس غريبا عن الذين فقدوا الإيمان، أن يعظموا الدنيا، فهي رأس مالهم. وليس غريبا على المؤمنين أن ينزلوا من مرتبة الدنيا؛ لأنهم يعظمون الآخرة، والتعظيمان لا يجتمعان.

ومن جهة صدق هذا الرأي، فإنه لم يصدق في تصوير هذه الأزمة، فهو مفتقر إلى الدقة في وصف الداء الذي أصاب المسلمين؛ ذلك لأنه لا وجود اليوم لمسلمين يهوّنون من شأن الدنيا، ولا قبل اليوم، حتى قرن مضى، إلى قرنين، وثلاثة، وأربعة، وأكثر من ذلك، ليس ظاهرا في المسلمين تعظيم الآخرة، كما عظمه السلف، ولا قريبا من ذلك، إلا قليلا، إلا ما كان من حديث يتحدثون به، يرضون به أنفسهم في ذم الدنيا؛ أنهم تشبهوا بالسلف، دون أن يكون له أثر في الواقع.

فإنه منذ مضي قرن الصحابة والتابعين ومن تبعهم، والمسلمون في انتقال مستمر، من مبدأ تعظيم الآخرة، إلى تعظيم الدنيا.. في إقبال على الدنيا، وإدبار من الآخرة، حتى تكامل اليوم أو كاد.

وهذا يعرفه ويعيه كل من درس التاريخ، ووقف على التغير الذي طرأ على المسلمين بعد الفتوحات وشيوع الأموال.

الحقيقة: أن المسلمين اليوم وغير المسلمين كلهم سواء، في الإقبال على الدنيا؛ محبة وتعظيما واهتماما بالغًا. وانظر إلى المترفين واللاهثين وراء الدنيا، تعرف ذلك. الفرق بينهما: أن المسلمين في حالة تلقي وقبول لكل ما يغرقهم في الدنيا، ويجعل منهم أمة تابعة، مقلدة لغيرها.. أما الغرب فهو في حالة تصدير وتأثير في العالم وفي المسلمين. هذا هو الفرق الوحيد.

-الغرب معظم للدنيا مؤثر في غيرهم بها، والمسلمون معظمون للدنيا، متأثرون فيها بغيرهم.

هذا الرأي يصور المشكلة، وكأن المسلمين متبتلين، راهبين، معتزلين، قد أعرضوا عن زخرف الدنيا بالكلية، ولم يقوموا بأي عمل دنيوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت