واعلم أنّ هذا الخلاف إنما هو بالنسبة للمنطق المشوب بكلام الفلاسفة كالذي في طوالع البيضاويّ. وأما الخاص منها كمختصر السنوسيّ، والشمسيّة، وهذا التأليف، فلا خلاف في جواز الاشتغال به، بل لا يبعد أن يكون الاشتغال به فرض كفاية، لتوقف معرفة دفع الشّبه عليه، ومن المعلوم أن القيام به فرض كفاية. والله أعلم.
ثمّ قال:
(أنواع العلم الحادث)
(إدراك مفرد تصورًا علم* ودرك نسبة بتصديق وسم
قدم الأول عند الوضع* لأنه مقدم بالطبع
والنظري ما احتاج للتأمل* وعكسه هو الضروري الجلي
وما إلى تصور به وصل* يدعى بقول شارح فلتبتهل
وما لتصديق به توصّلا* بحجة يعرف عند العقلا)
أقول: لفظ أنواع مخرج للعلم القديم، فإنه لا تنوع فيه، فإتيانه بالحادث بعد ذلك تأكيد وإيضاح للمبتدي. والعلم معرفة المعلوم. ثم إنه ينقسم إلى تصور وإلى تصديق، وكل منهما إلى ضروري وإلى نظري، فالأقسام أربعة. فإن كان إدراك معنى مفرد فهو تصور كإدراك معنى زيد. وإن كان إدراك وقوع نسبة فهو تصديق كإدراك وقوع القيام في قولنا زيد قائم،
وهذا معنى قوله (إدراك مفرد) البيت. فزيد قائم اشتمل على تصورات أربعة: تصور الموضوع وهو زيد، وتصور المحمول وهو قائم، وتصور النسبة بينهما وهو تعلّق المحمول بالموضوع، وتصوّر وقوعها. فالتصور الرابع يسمى تصديقًا، والثلاثة قبله شروط له، وهذا مذهب الحكماء.
ومذهب الإمام أن التصديق هو التصورات الأربعة. فيكون التصديق بسيطًا على مذهب الحكماء، ومركبًا على مذهب الإمام. والمصنف ماش على مذهب الحكماء بتقدير مضاف في كلامه بين درك ونسبة وهو وقوع.
ثم إنك إذا أردت أن تكتب التصور والتصديق وتتعلمهما أو تعلمهما فالمراد بالوضع ما يشمل ذلك، فقدم التصور على التصديق لأنه مقدّم عليه طبعًا فيقدم وضعًا. وهذا معنى قوله (وقدم الأول) البيت.