فالجواب عن الأوّل: أن مدلول الضمير يصحّ أن يكون أمّة الإجابة، كما قدّرتُه، ويصحّ أن يكون أمّة الدّعوة، فيدخل الكفار، بدليل (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، إذ ما من عذاب إلا وعند الله أشدّ منه، فعدم تعذيب الكفار بالأشد إكرامًا له صلى الله عليه وسلّم.
وعن الثاني: بأن الوصف بالسيادة إشعارًا بعموم رسالته صلى الله عليه وسلّم، وأن الأنبياء والمرسلين من أمته صلى الله عليه وسلّم، فهو متولّي أمور الجميع.
وعن الثالث: بأن القيد في الصلاة ليس مرادًا، بل المراد التعميم في جميع الأوقات.
وعن الرابع: بأن الصلاة ثبتت على الآل نصًّا في قوله صلى الله عليه وسلّم: (قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد) الحديث. وعلى الصحب بالقياس على الآل، فاقتضى ذلك التقديم.
ثم قال:
(وبعد فالمنطق للجنان * نسبته كالنحو للسان
فيعصم الأفكار عن غيّ الخطا * وعن دقيق الفهم يكشف الغطا
فهاك من أصوله قواعدًا * تجمع من فنونه فوائدا)
أقول: لفظة (بعد) تكون ظرف زمان، كما في قولك: (جاء زيد بعد عمرو) ، وظرف مكان كما تقول: (دار زيد بعد دار عمرو) ، ويصح استعمالها هما في المعنيين باعتبار أن زمن النطق بما بعدها بعد زمن النطق بما قبلها، أو اعتبار أن مكانه في الرّقْمِ بعده، وهي هنا دالّة على الانتقال من كلام إلى آخر، فلا يؤتى بها في أوّل الكلام.
والمنطق: مصدر ميمي يطلق بالاشتراك على النطق بمعنى اللفظ، وعلى الإدراك، والمراد به هنا الفنّ المؤلّف فيه هذا الكتاب. سمّي بهذا الاسم لأنه يقوي الإدراك، ويعصمه عن الخطأ. فهو قانون تعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر، كما أن من راعى قواعد النحو لا يتطرّق إليه الخطأ في المقال. وإلى هذا المعنى أشار بقوله: (فالمنطق للجنان نسبته كالنحو للسان) .