ولهذا فإن البوادر الأولى لعلم الدلالة في هذه الفترة المبكرة من الزمن، دعت إليها الحاجة الاجتماعية الدينية المتمثلة في فهم القرآن ووعي تعاليمه، وذلك يحتاج لا محالة إلى معرفة معاني الألفاظ الغريبة فيه، لأن الإنسان العربي يعرف أشياء ويجهل أشياء أخرى،"ومن أجل ذلك نجم بين المسلمين من يلتمسون غرائب القرآن في الشعر، وكان أشهر هؤلاء عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس، وعروة بن الزبير." [1]
مواطن الدلالة في الكتاب لسيبويه
إن الكتاب هو أول مؤلف دوَّن وجوده التاريخ وكل ما ألف قبله ضاع ولم يصلنا منه إلا العناوين؛ ومنها مثلًا أن عبد الله ابن أبي إسحاق الخضرمي قد كتب كتابًا في الهمز.
إن المتصفح لكتاب سيبويه يجده يحوي بين طياته دلالات عديدة لمستويات لغوية مختلفة منها الفونولوجي والمورفولوجي والتركيبي والسياقي.
1-الفونولوجي: لقد وظف سيبويه الصوائت مثلًا توظيفًا هامًا وبنى عليه كثيرًا من الآراء إن لم تكن نظريات، ومن أقواله فيها:"وإنما كان الرفع في هذا الوجه لأن هذه خصال" [2] هذا في ضم عين الصيغة الحديثة. وقال أيضًا:"فإن رفعت فالذي في نفسك ما أظهرت." [3]
يستشف من فحوى هذين النصين اهتمام سيبويه بتحديد الدلالة الظاهرية والباطنية للناطق من استعمال الصوائت. كما أن الدلالة في الصوائت هي التي تظهر من خلال توظيف العلامة الإعرابية في المبنى الإفرادي أو التركيبي كالحركة في عين الفعل التي نفرق بها، بين المعاني الثابتة في صيغة فعُل والمتغيرة في فعِل.
(1) -المفصل في تاريخ النحو العربي لمحمد خير الحلواني ص32.
(2) -الكتاب لسيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ص1: 361، الطبعة الثانية 1977 مكتبة الخانجي بمصر.
(3) -م س، ص1: 282.