إن نقط المصحف في حد ذاته هو جزء من الدلالة وهذا دليل على أن أبا الأسود كان له سبق التفكير في وضع موانع للحن الذي كان سائدًا في المجتمع حوله، تارة في القرآن وتارة في غيره. ولهذا اهتدى إلى وضع ضوابط دلالية ولو أولية يمكن اعتبارها نواة أولى بنى عليها العلماء إلى أن نضجت في كتاب سيبويه.
وقد تعددت الروايات ذات الإيحاءات الدلالية ومنها أن ابنة أبي الأسود سألت أباها يومًا قائلة"يا أبت ما أشدُّ الحرِّ؟ على لفظ الاستفهام. فقال لها: أي بنية؛ وغُرَةُ القيظ ومعمعان الصيف فقالت له: إنما أتعجب منه. فقال لها: قولي: ما أشدَّ الحرَّ! ثم صنف باب التعجب والاستفهام." [1] ومنها أيضًا أن أعرابيًا قدم إلى المدينة يطلب أن يقرأ القرآن فأقرأه بعضهم"إن الله بريء من المشركين ورسولِه" [2] بكسر اللام عطفًا على المشركين فقال الأعرابي:"إن يكن الله بريئًا من رسوله فأنا أبرأ منه أيضًا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة وأمر أبا الأسود أن يضع النحو." [3]
وبناء على هذه الروايات وضع أبو الأسود وكان كل ما يصنف بابا من أبواب النحو أو الصرف يعرضه على الإمام علي (رضي الله عنه) وهكذا.
وزيادة على اللحن الذي انتشر بين الناس فهناك سبب آخر وهو أن الخلفاء والحكام كانوا يتسابقون على فهم ما تحويه النصوص القرآنية من دلالات ليستمدوا منها حكمهم ومنهجهم الذي يسيرون عليه. كما كان على المسلم أن يعرف كل معاني الذكر الحكيم التي تنظم حياته وتبين له الصواب من غيره وكل هذا لا يتم إلا بوضع ضوابط وقواعد دلالية يتبعها الناس لقراءة وحفظ القرآن الكريم وبالتالي العمل به.
(1) -طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص14، ويراجع نزهة الألباء للأنباري ص5، ونظريات في اللغة لأنيس فريحة ص73، الطبعة الثانية 1981م، دار الكتاب اللبناني -بيروت -لبنان.
(2) -سورة التوبة الآية 3.
(3) -نزهة الألباء للأنباري ص12.