ثم ختم الحديث بوصية خفيفة على النفوس , وهي في غاية النفع . فقال: ( واستعينوا بالغدوة والروحة , وشيء من الدلجة ) وهذه الأوقات الثلاثة كما أنها السبب الوحيد لقطع المسافات القريبة والبعيدة في الأسفار الحسية , مع راحة المسافر , وراحة راحلته , ووصوله براحة وسهولة , فهي السبب الوحيد لقطع السفر الأخروي , وسلوك الصراط المستقيم , والسير إلى الله سيرا جميلا ، فمتى أخذ العامل نفسه , وشغلها بالخير والأعمال الصالحة المناسبة لوقته - أول نهاره وآخر نهاره وشيئا من ليله , وخصوصا آخر الليل - حصل له من الخير ومن الباقيات الصالحات أكمل حظ , وأوفر نصيب . ونال السعادة والفوز والفلاح , وتم له النجاح في راحة وطمأنينة , مع حصول مقاصده الدنيوية , وأغراضه النفسية .
وهذا من أكبر الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية , إذ نصبه لعباده , وأوضحه على ألسنة رسله , وجعله ميسرا سهلا , وأعان عليه من كل وجه , ولطف بالعاملين , وحفظهم من القواطع والعوائق . فعلمت بهذا: أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد .
القاعدة الأولى: التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم .
القاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير وقت حصولها .
القاعدة الثالثة: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم .
القاعدة الرابعة: تنشيط أهل الأعمال , وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال .
القاعدة الخامسة: الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله , التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء . فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها ] انتهى.
وقال ـ رحمه الله ـ في شرح حديث (29) ،وهو حديث أبي هريرة مرفوعًا: (حق المسلم على المسلم ست: قيل: ما هن يا رسول الله ؟ قال إذا لقيته فسلم عليه , وإذا دعاك فأجبه , وإذا استنصحك فانصح له , وإذا عطس فحمد الله فشمته , وإذا مرض فعده , وإذا مات فاتبعه ) رواه مسلم .