وهذه رعايا المسيحية أمام أعينهم تتساقط في الإسلام مرة أخرى، طائعة مختارة، وتدخل بحماسة ويقين ثابت في الإسلام! يالها من فجيعة!! ويرتاع مع كل فجر قلبُ المسيحية، ويغلى رهبانها ورعاياها بغضا للإسلام، وحماسة للمسيحية) [1] .
وبعد النظر في تاريخ الصدام بينهما فالذي يريد أن يكتب عن الجدل بين الطرفين لابد أن يستصحب معه تاريخ العلاقة بينهما وما فيها من جدال وجلاد؛ لأنهما وجهان لعملة واحدة، ولذا قدمنا هذه المقدمة الموجزة، ولكن الذي يعنيا هنا في هذا البحث من هذه العلاقة هي العلاقة الدعوية الشرعية التي أرسى منهجها نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وسار عليها خلفاؤه وصحابته من بعده رضي الله عنهم، واقتفى أثرهم علماء الأمة من بعدهم، ولا تزال الأمة تترسم آثارهم عبر لقاءات فردية أو جماعية، تدعو إلى الإسلام تارة، وتنافح عنه أخرى، وتلتقي معهم في ثالثة للتعاقد على حفظ مصالح، وتحقيق مكاسب، وتصحيح تصور....
وكل من كتب عن هذه العلاقة يستشهد بمكاتباته - صلى الله عليه وسلم - وبوفوده إلى ملوك النصارى ومجادلته لنصارى نجران [2] وغيرهم، كما يُستشهد بموادعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليهود المدينة [3] كأساس لعلاقات تعايش سلمي بين المسلمين ومن يعيشون تحت حكمهم من غير المسلمين، وقد سارت هذه اللقاءات والمناظرات والوفود على وفق ما مضى منها، إلا أنه حدث تغير جذري في مسيرة الحوار مما يضطر الناظر فيه إلى أن يقسمه إلى مرحلتين هما:
المرحلة الأولى: من العهد النبوي إلى عام 1380هـ 1960م.
وهذه المرحلة اقتصرت اللقاءات والمناظرات على الموضوعات التالية:
(1) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص 44- 46. وقد أكثرت من النقل عن هذه الرسالة لاشتمالها على تصوير دقيق لمراحل الصراع، ولمشاعر النفوس .
(2) انظر صحيح البخاري، ح 4119، 4/1592.
(3) انظر سيرة ابن هشام 1/501، وتفسير القرآن العظيم 1/48. و الأم 4/210.