صنع كل شيء ، لأنه هو الذي أدى بهم إلى يقظة شاملة قامت على الإصرار ، وعلى المجاهدة والمثابرة على تحصيل العلم وعلى إصلاح خلل الحياة المسيحية ، ولكن لم يكن لها يومئذ من سبيل ولا مدد ، إلا المدد الكائن في دار الإسلام ، من العلم الحي عند علماء المسلمين ، أو العلم المسطر في كتب أهل الإسلام فلم يترددوا، وبالجهاد الخارق، وبالحماسة المتوقدة، وبالصبر الطويل؛ انفكت أغلال (( القرون الوسطى ) )بغتة عن قلب أوربة، وانبعثت نهضة (( العصور الحديثة ) )مستمرة إلى هذا اليوم من يومئذ، عند أول بدء اليقظة، تحددت أهداف المسيحية الشمالية، وتحددت وسائلها. لم يغب عن أحد منهم قط أنهم في سبيل إعداد أنفسهم لحرب صليبية رابعة، لأنهم كانوا يومئذ يعيشون في ظل شبح مخيف متوغل في أرض أوربة المقدسة ببأس شديد وقوة لا تردع، بل هو شبح متجول يطوف أنحاء القارة كلها، لا يطرف فيها جفن حتى يراه ماثلًا في عينه آناء الليل وأطراف النهار، (( الترك الترك ) )!! وهذه (( الترك ) )، وهم المسلمون ، طلائع عالم إسلامي زاخر هائل مخيف غير معروف لهم ما في جوفه، مسيطر على رقعة متراحبة ممتدة من الأندلس إلى أطراف تحيط بأرض روسيا، إلى جوف قارة آسيا، إلى جوف قارة إفريقيا, وهم يعلمون الآن علمًا ليس بالظن، أن السلاح في هذه المرحلة الرابعة، ( وهو يومئذ قريب من قريب ) ، ليس يغنى غناء حاسمًا , فقد وعظتهم المراحل الثلاث الأُوَل، فنحّوا أمره جانبا إلى أن يحين حينه ويصبح قادرًا وحاسمًا.لم يبق لهم إذن؛ إلا سلاح العقل والعلم والتفوق واليقظة والفهم وحسن التدبير، ثم المكر والدهاء واللين والمداهنة وترك الاستثارة، استثارة عالم ضخم مجهول ما في جوفه، ولا قِبل لهم بتدفق أمواجه الزاخرة ، والتي كان (( الترك ) )الظافرون طلائعها الظاهرة لهم عيانا في قلب أوربة.