ويعلق الدكتور الخطيب على ذلك بقوله: =وفي نظري أن تلقين أسرار النصيرية في جو الخمرة والمرأة، يوضح لنا عملية التخدير النفسي والجسدي والعقلي التي تقع على الشاب وهو يلقن أسرار دينه؛ فكؤوس الخمر تدار بين وقت وآخر، فتلعب دورها في تخدير عقل الشاب، وتأتي الأنثى لتكمل الدور الذي بدأته الخمرة؛ فيكون الشاب حينذاك في وضع لا يمكنه أن يرفض أي شيء من أسرار الدين، وخاصة أنه أصبح في الفردوس: الخمر والمرأة+ [1] .
وهكذا تمر عملية الدخول في النصيرية بطقوس عديدة يحصل فيها للداخل أمور كثيرة ومتنوعة من الذلة والمهابة، وبعد تلك الخطوات يُفضى إليه بأسرار العقيدة، وبعدها تُؤخذ عليه الأيمان المغلظة بكتم الأسرار وعدم البوح بها.
وفيما يلي نموذج لشخص يروي قصة دخوله في النصيرية وهو صاحب كتاب الباكورة السليمانية سليمان الأذني الذي دفع حياته ثمنًا لإذاعته الأسرار.
ومع أن فيما يرويه الأذني بعض الاختلافات اليسيرة عما جاء في الطريقة التي مر معنا شيء منها إلا أنه في الإمكان أن نأخذ الخطوط العريضة التي يسير عليها النصيريون في كلتا الطريقتين.
وفيها _ أيضًا _ بيان لما يصيب الشاب من أساليب نفسية رهيبة.
يقول سليمان الأذني متحدثًا عن قصته =إني ولدت في مدينة أنطاكية سنة 1250هجرية، وأقمت فيها نحو سبع سنين ثم انتقلت إلى أدنه، ولما بلغت السنة الثامنة عشرة من العمر أخذ بنو طائفتي يطلعونني على أسرارهم الباطنة التي لا يكشفونها إلا لمن بلغ هذا السن أو سن العشرين.
وفي ذات يوم اجتمع منهم جمهور من الخاصة والعامة، واستدعوني إليهم، وناولوني قدح خمر ثم وقف النقيب بجانبي وقال لي: قل بسرِّ إحسانك يا عمي، وسيدي، وتاج رأسي أنا لك تلميذ، وحذاؤك على رأسي.
(1) _ الحركات الباطنية ص369.