وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف+ا. هـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية × مقررًا هذا المعنى: =وقد تقدم أن الأفضل يتنوع تارةً بحسب أجناس العبادات، كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء.
وتارة يختلف باختلاف الأوقات؛ كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة.
وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر؛ كما أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة، وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع بالاتفاق، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف.
وتارة باختلاف الأمكنة كما أن المشروع بعرفة، والمزدلفة، وعند الجمار، وعند الصفا والمروة _ هو الذكر، والدعاء دون الصلاة ونحوها.
والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل.
وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة؛ فالجهاد للرجال أفضل من الحج، وأما النساء فجهادهن الحج.
والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها، بخلاف الأيِّمة؛ فإنها مأمورة بطاعة أبويها.
وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه؛ فما يَقْدِر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنسُ المعجوز عنه أفضل.
وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس، ويتَّبعون أهواءهم؛ فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبته له، ولكونه أنفع لقلبه، وأطوع لربه _ يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس، ويأمرهم بمثل ذلك.
والله بعث محمدًا بالكتاب والحكمة، وجعله رحمة للعباد، وهديًا لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له؛ فعلى المسلم أن يكون ناصحًا للمسلمين، يقصد لكل إنسان ما هو أصلح.
وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له، ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل له، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية _كالصلاة والصيام_ أفضل له.