الصفحة 19 من 26

أما الكُمَيْت فحرَّك رأسه وعَلكَ لِجامَه كأنه يقول لصاحبه: إن الفكرَ في تخفيف العبء الذي تَحملُه يجعلُه أثقلَ عليك مما هو، إذ يُضيف إليه الهمَّ، والهمُّ أثقل ما حملتْ نفس؛ فما دمتَ في العملِ فلا تَتَوهَّمَنَّ الراحةَ؛ فإن هذا يُوهِن القوة، ويَخْذُلُ النشاط، ويَجْلِبُ السأم؛ وإنما رُوحُ العمل الصبر، وإنما رُوح الصبر العزم.

ورآهم الأدهم يُنْزِلون اللُّقَطَاء، فاستخفَّه الطرب، وحرَّك رأسه كأنما يسخَر بالكميت وفلسفته، وكأنما يقولُ له: إنما هو النُّزُوعُ إلى الحرية، فإن لم تكن لك في ذاتها، فلتكنْ لك في ذاتك، وإذا تعذَّرَت اللذةُ عليك، فاحتفظ بخَيالها، فإنه وُصْلَتُكَ بها إلى أن تُمكنَ وتتَسهَّل؛ ولا تجعلَنَّ كلَّ طباعِك طباعًا عاملةً كادِحةً، وإلا فأنت أداةٌ ليس فيها إلا الحياةُ كما تريدك، وليكن لك طبعٌ شاعرٌ مع هذه الطباع العاملةِ، فتكون لك الحياةُ كما تريدك وكما تريدها.

إن الدنيا شيءٌ واحدٌ في الواقع؛ ولكنَّ هذا الشيء الواحدَ هو في كل خيال دنيا وحدها.

وفي العربة امرأتان تقومان على اللقطاء؛ وكلتاهما تزويرٌ للأم على هؤلاء الأطفال المساكين.

فلما سكنت العربةُ انحدرتْ منها واحدة وقامت الأخرى تُناولُها الصغار قائلةً: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. . . إلى أن تمَّ العدد وخلا قَفَصُ الدَّجاجِ من الدجاج؟

ومشى الأطفالُ بوجوه يتيمة، يَقرأ من يقرأ فيها أنها مُسْتَسلِمةٌ، مستكينة، معترفة أنْ لا حق لها في شيء من هذا العالم، إلا هذا الإحسانَ البخْس القليل.

جاؤوا بهم لينظروا الطبيعةَ والبحرَ والشمس، فغفل الصغار عن كل ذلك، وصرفوا أعينهم إلى الأطفال الذين لهم آباء وأُمَّهات.

وآ كبدي! أضنى الأسى كَبِدِي؛ فقد ضاق صدري بعد انفساحه، ونالني وَجَعُ الفكرِ في هؤلاء التُّعساء، وعرتني منهم علة كدس الحمى في الدم؛ وانقلبت إلى مثواي، والعربةُ وأهلها ومكانها وزمانها في رأسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت