الصفحة 18 من 26

أما المرأة حين تسقط فهذه من تحت الإنسانية هي الزلزلة.

ليس أفظعُ من الزلزلة المرتجة تشق الأرض، إلا عارَ المرأة حين يشق الأسرة.

أيتها الشرقية: احذري .. احذري!

عربة اللقطاء [1]

جلستُ على ساحل الشاطئ في (اسكندرية) أتأمل البحر، وقد ارتفعَ الضُّحى، ولكنَّ النهارَ لَدْنٌ ناعمٌ رطيبٌ كأنَّ الفجرَ ممتدٌ فيه إلى الظُّهر.

وجاءت عَربة اللُّقَطَاء فأشرفَتْ على الساحل، وكأنها في منظرها غمَامةٌ تتحرك، إذ تَعلوها ظُلَّةٌ كبيرة في لَون الغَيْم، وهي كعَربات النقل، غيرَ أنها مُسوَّرةٌ بألواح من الخشب كجوانب النعش تُمْسك مَن فيها من الصِّغار أن يتدحرجوا منها إذ هي تدرُج وتَتَقَلْقَل.

ووقفتْ في الشارع؛ لتُنْزِل رَكْبَها إلى شاطيء البحر؛ أولئك ثلاثون صغيرًا من كل سَفِيج لَقيط ومَنْبوذ، وقد انكمشوا وتَضاغَطُوا إذ لا يمكن أن تُمَطَّ العربة فَتَسعَهم، ولكن يمكن أن يُكْبَسُوا ويتداخَلُوا حتى يَشْغَلَ الثلاثة أو الأربعة منهم حَيِّزَ اثنين.

ومَنْ منهم إذا تألَّم سيذهب فيشكو لأبيه؟

وترى هؤلاء المساكينَ خَلِيطًا مُلْتَبِسًا يُشْعِرك اجتماعُهم أنهم صَيْدٌ في شَبكة لا أطفالٌ في عربة، ويَدُلُّك منظرهم البائس الذليل أنهم ليسوا أولادَ أمَّهات وآباء، ولكنهم كانوا وساوِسَ آباء وأمهات.

هذه العربة يجرُّها جوادان أحدهما أدهم، والآخر كُمَيْت [2] .

فلما وقفتْ لَوَى الأدهم عُنقَه والتفتَ ينظر: أيفرِغون العربةَ، أم يزيدون عليها؟

(1) _ كتبها في مصيفه بسيدي بشر سنة 1935م.

(2) _ الأدهم: الأسود، والكميت: الأحمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت