الصفحة 20 من 26

فلما طاف بي النوم طاف كلُّ ذلك بي، فرأيتُني في موضعي ذاك، وأبصرتُ العربةَ قد وقفتْ، وتحاوَرَ الأدهم والكميت؛ فلما أفرغوها وشعر الجوادان بخفَّتها التفتا معًا، ثم جمعا رأسيهما يتحدَّثان!

قال الكميت: كنت قبل هذا أجرُّ عربة الكلاب التي يقتلها الشّرْطَةُ بالسُّم، فآخذ الموتَ لهذه الكلاب المسكينة، ثم أرجع بها موتى؛ وكنت أذهبُ وأجيء في كل مراد ومُضطرب من شوارع المدينة وأزقتها وسككها، ولا أشعر بغير الثقل الذي أجره؛ فلما ابتليت بعربة هؤلاء الصغار الذين يسمونهم اللقطاء، أحسست ثقلًا آخر وقع في نفسي وما أدري ما هو؟ ولكن يخيل إليَّ أن ظل كل طفل منهم يثقل وحده عربة.

قال الأدهم: وأنا فقد كنتُ أجرُّ عربةَ القمامةِ والأقذار، وما كان أقذَرَها وأنتَنها، ولكنها على نفسي كانت أطهرَ من هؤلاء وأنظف؛ كنت أجِدُ ريحها الخبيثةَ ما دمت أجرُّها؛ فإذا أنا تركتُ العربة استَرْوَحْتُ النَّسيم واستطعَمْت الجوّ، أما الآن فالريحُ الخبيثةُ في الزمن نفسِه، كأن هذا الزمن قد أرْوَحَ وأنتنَ منذ قُرِنْتُ بهؤلاء وعرَبتهم.

قال الكُميت: إن ابن الحيوان يستقبل الوجود بأمه؛ إذ يكون وراءها كالقطعة المتممة لها، ولا تقبل أمه إلا هذا ولا يصرفها عنه صارف، فترغم الوجود على أن يتقبل ابنها، وعلى أن يعطيه قوانينه؛ أما هؤلاء الأطفال فقد طردهم الوجود منه كما طرد الله آباءهم وأمهاتهم من رحمته؛ وقد هديت الآن إلى أن هذا هو سرُّ ما نشعر به؛ فلسنا نجرُّ للناس، ولكن للشياطين.

وهنا وقف على حُوذيّ [1] العربة صديقٌ من أصدقائه فقال: من هؤلاء يا أبا علي؟

قال الحوذي: هؤلاء ... هؤلاء يا أبا هاشم.

(1) _ الحوذي: هو السائق الحادي، قال في القاموس ص425: الحوذي: بالضم الطارد، والمستحثُ على السير. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت