الصفحة 15 من 53

لقد ورد الحديث عند البخاري بإسناد عالٍ من ثماني طرق عن الأعمش؛ الواسطة فيها بين البخاري والأعمش رجلان فقط. وإحدى هذه الطرق من رواية البخاري عن شيخه عبدان.

وجاءت الطريق التاسعة أيضًا من رواية البخاري عن شيخه عبدان، إلا أن بين البخاري والأعمش ثلاثة رواة. وبذلك فإن هذه الطريق نازلة عند البخاري درجة بينه وبين الأعمش، وهي كذلك نازلة درجة بين عبدان والأعمش، حيث يروي عنه عادة بواسطة واحد فقط، وروايته هذه بواسطة اثنين.

الحكمة من رواية البخاري بالإسناد النازل

بالرغم من رواية البخاري الحديث من طرق كثيرة بإسناد عالٍ إلا أنه رواه بإسناد نازل في إحدى طرقه، وقد تتبعت جميع طرقه في الصحيح وقارنت بينها، فلم أقف على تصريح بالسماع للأعمش ( [lix] ) في الرواية النازلة، ولم أقف على زيادة في متنها عن سائر متون الروايات، ولم أجد تفسيرًا لذلك سوى قول ابن حجر:"ونزل فيه هنا درجة، وكذلك نزل فيه شيخه عبدان درجة؛ لأنه سبق من روايته عن أبي حمزة عن الأعمش. والسبب في ذلك اعتناؤه بمغايرة الطرق عند تغاير الأحكام". ( [lx] )

ولم أقنع بهذا التفسير وحده، فواصلت البحث، حتى تبين لي أن الإمام البخاري أراد متابعة شيخه محمد بن يوسف في الرواية عن الثوري. فقد رواه البخاري بإسناد عالٍ عن محمد بن يوسف عن الثوري عن الأعمش. ثم رواه بإسناد نازل عن عبدان عن ابن المبارك عن الثوري عن الأعمش. وليس له من طريق الثوري سوى هذين الإسنادين.

فأراد البخاري بذلك متابعة ابن المبارك لمحمد بن يوسف. والسبب في ذلك أن محمد بن يوسف أخطأ في أحاديث عن الثوري بالرغم من ملازمته. قال ابن أبي خيثمة:"سُئل ابن معين عن أصحاب الثوري: أيهم أثبت؟ فقال: هم خمسة: القطان، ووكيع، وابن المبارك، وابن مهدي، وأبو نعيم. وأما الفريابي ــ أي محمد بن يوسف ــ وأبوحذيفة، وقبيصة…. فهم كلهم في سفيان بعضهم أقرب من بعض، وهم ثقات، كلهم دون أولئك في الضبط والمعرفة". ( [lxi] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت