وإذا وجد المعارض، وغلب على حديث الراوي، فإن هذا يعد من أعلى درجات القدح، ويستحق الراوي من أجله أن يترك، وإذا لم يبلغ المعارض درجة الغلبة ولكنه قاربها، فإن الراوي يعتبر به، ولا يسقط، وفي هذا جاء تأليف كتاب المجروحين، لبيان المتروكين، ومن قرب منهم.
وإذا وجد المعارض ولم يتمكن ولم يقارب درجة الغلبة، فإنه متردد بين منطقة القبول، ومنطقة الترك، وإن كان للأولى أقرب بخلاف سابقه، وهذا النوع المتردد، قد يفسر لنا سبب مجيء الرواة مرة في الثقات ومرة في المجروحين، وهذا مما قد ينفي شيئا من دعوى التناقض. ومن خلال ما سبق يتضح لنا وجود منطقتين، منطقة عدم المعارض، ومنطقة وجود المعارض، وفي المنطقة الأولى نلاحظ وجود مستويين، مستوى التأكد من عدم المعارض، ومستوى عدم التأكد من عدمه أو وجوده، وفي المنطقة الثانية نلاحظ وجود ثلات مستويات، مستوى وجود المعارض مع قلته، ومستوى وجود المعارض مع قربه من الغلبة، ومستوى المعارض الغالب. وهذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى.
وبناء على تحديدنا السابق للمراد من تأليف كتاب الثقات، نقول: أن الأصح أن يقال فلان ذكره بن حبان في الثقات، ولا يقال وثقه بن حبان، إذ هذه العبارة فيها نوع من الإجمال، فهل المقصود أن يقال أن بن حبان يقول في الراوي الذي لم ينص على حكمه أنه ثقة؟.
فهذه اللفظة من الألفاظ القوية في التعديل، فقطعا لا بن حبان يقصد ذلك ولا غيره،
فابن حبان ـكما سبق ـ أراد من كتابه الثقات أن يرسم الحد الأدنى لقبول الحديث، ويكفي لإرتسامه عدم المعارض، وعدم المعارض لا يعني بالضرورة أن فلانا ثقة أو صدوق .
[ فماذا نطلق على الراوي الذي لم ينص على حكمه بعد النظر في حديثه، والتبين من عدم وجود ما يعارض ]
بما أن هذا الراوي تتحقق عنده أدنى درجات العدالة والقبول، نقترح أن يسمى بالراوي"المقبول"، والقبول بهذا المفهوم هو أدنى درجات الإحتجاج، وهو الحد
الفاصل بين الصحيح، والضعيف.