إن هذا مما يؤكد إستحالة وقوف المتكلم في الرجال، على جميع الرواة، ومعرفتهم فردا فردا، وبالتالي إستحالة أن نجد لكل راو ترجمة خاصة به فضلا عن حكم. فردنا أخبار هؤلاء ليس لأنهم تعمدوا كذبا، أو لأنهم أخطأوا يسيرا أو فاحشا، بل لعجزنا.
فالله هو الذي أحاط بكل شيء، وليس في مقدور البشر ـ مهما بذلوا من جهود ـ أن يحيطوا بمعرفة شيء واحد من كل نواحيه، فكيف إذا كانت هناك أشياء وأشياء.
وهنا يمكن أن نضيف صنفا رابعا، وهم غير من سبق، لم يولوا قضاءا ولا إمارة، ولم يروا عنهم أحد من أقاربهم، ولم يكن للمروي علاقة بالراوي.
فالصواب هو قبول حديثهم، ما لم يظهر معارض أقوى يوجب التوقف أو الترك.
ومثال ذلك، أن يروي من لم ينص على حكمه، عن شيخ له أصحاب ملازمون خبرا تدعوا النفوس إلى نقله، فلا يقبل منه هذا التفرد، فضلا عن المخالفة.
فعلينا أن نبحث عن القرائن التي توجب رد الخبر، ولا نبحث عن القرائن التي توجب القبول إكتقاءا بالأصل؛ وعليه فمن رد خبر الراوي غير المنصوص على حكمه بدعوى الجهالة فقط، يكون كمن رد العلم بالظن، أو الظن بالوهم، أو الشهادة برجم الغيب، فخبر الواحد يوجب العلم بغض النظر عن وجود نص أو عدمه، فالتوثيق يوجب زيادة علم، ولا يلزم من عدم وجوده إنتفاء العلم.
[ بن حبان وكتابيه الثقات والمجروحين ]
أراد بن حبان من كتابه"الثقات"، تصحيح بعض الإعوجاج في طريقة معاملة رواة الآثار، الذين كان ذنبهم الوحيد في رد أخبارهم أنهم لم يشتغلوا بالحديث رواية ودراية.
فرأى بن حبان أن أمثال هؤلاء لا يجب رد أخبارهم بل يجب قبولها، ولا ترد إلا بدليل واضح، فبما أنهم قد حدثوا فيمكن أن يحكم عليهم من خلال مروياتهم سواء قلت أو كثرت؛ فأدنى درجات العدالة والقبول تتحقق بعدم وجود المعارض، وأعلى درجات العدالة والقبول تكون بالتأكد والجزم بعدم وجود المعارض، وكتاب الثقات حوى الصنفين، وهذا ينفي ـ بالنسبة لنا ـ دعوى التساهل عن بن حبان.