وبعد استقراره في الدرعية ، أتى إليه من كان ينتسب إليه ، ومعتنقًا مبادئ دعوته ، من رؤساء المعامرة وغيرهم ، وأخذت الوفود تأتي من كل حدب لما علموا أن الشيخ في دار منعة ، عند ذلك سمع عثمان بن معمر الذي أخرج الشيخ من بلده أن محمد بن سعود رحمه الله قد بايع الشيخ ، وأنه ناصره وأهل الدرعية له مؤيدون ، ومعه قائمون ومجاهدون ، فندم عثمان على ما سلف منه في حقّ الشيخ ، فأتى إليه ومعه ثلة من الرجال من رؤساء البلاد وأعيانها ، واعتذر ، وطلب منه الرجوع ، فعلّق الشيخ الأمر على رضاء الأمير محمد بن سعود ، فرفض الأمير السماح ورجع عثمان خائبًا [1] .
أعمال الشيخ بالدرعية:
شدّت إلى الشيخ الرحال ، وكثر الوافدون ، ليرتووا من مناهله العذبة الصافية النقية من الخرافات والوثنية ، ورتب الدروس في الدرعية في العقائد ، وفي القرآن الكريم ، وفي التفسير ، وفي الفقه ، وأصوله ، والحديث ، ومصطلحه ، والعلوم العربية ، والتاريخية ، وغير ذلك من العلوم النافعة ، وتوافد الناس عليه من كل مكان .
وكانت الحالة الاقتصادية للأمير والبلاد ، لا تقوي على القيام بمؤن أولئك الوافدين الطالبين ، فكان بعضهم - من شغفه وحبه للعلم - يحترف بالليل بالأجرة ، وفي النهار يحضر الدروس إلى أن وسع الله عليهم وأتي بالفرج واليسر ، بعد الشدة والعسر .
وثابر الشيخ باذلًا جهده ووسعه في إرشاد الناس وتعليمهم ، وبيان معنى ( لا إله إلا الله ) وأنها نفي وإثبات ، فـ ( لا إله ) : تنفي جميع المعبودات ، و ( إلا الله ) : تثبت العبادة لله ، وشرح لهم معني الألوهية بأن الإله: هو الذي تأله القلوب محبة وخوفًا وإجلالًا ورجاءًا ، وعلمهم الأصول الثلاثة ، وبفضل تعاليمه الرشيدة ، تنورت أذهانهم ، وصفت قلوبهم ، وصحت عقائدهم ، وزادت محبة الشيخ في قلوب الوافدين إليه .
(1) انظر: آل أبو طامي ، الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية ، 35 .