لعل من المفارقات العجيبة في المجتمع السعودي أن الخصوم هم من يختارون مسميات التيارات الأخرى الناشئة في الغالب لا التيار نفسه، فلم تختر السرورية يوما أن تكون بهذا الاسم ولا حتى (الجامية) التي سوف نتحدث عنها اليوم، بل إنه نتيجة صراع بين هذه التيارات تمت تسمية كل طرف باسم الشخص الأكثر تأثيرا فيه، فأُطلقت (السرورية) و (الجامية) وإذا كنت تحدثت الأسبوع الماضي عن السرورية لأنها تمثل الشق الحركي الأول للسلفية فإن حديث اليوم سيكون عن الشق الثاني للحركية السلفية (الجامية) .
وبعيدا عن صحة هذه التسمية أو حقيقتها لأن الطرح الذي أريد تسليط الضوء عليه عبر هذه السلسلة لا يقتصر على التوصيف الحركي لهذه التيارات وإنما ينصب على التشخيص والتحليل الفكري والمرتكزات الحركية والنشأة وليس التقييم لهذه التيارات.
فالجامية تُنسب في أساسها إلى الشيخ محمد أمان الجامي (رحمه الله) المدرس في المسجد النبوي والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ويُرجع المراقبون تكوّن هذا الفكر إلى أحداث كُثر في أفغانستان لا سيما الجزئية التي أشعلت الخلاف في الفرق بين (الفرقة الناجية والطائفة المنصورة) ومن تكون في أفغانستان؟ تطور هذا الخلاف بعد حرب الخليج حينما عارض بعض الدعاة المؤثرين فتوى مفتي عام المملكة وقتها الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله) في جواز الاستعانة بالكفار، بالإضافة إلى بروز أصوات قوية من التيار الجامي تهاجم سيد قطب و (القطبية) تطور بعد ذلك إلى تطرف فكري برز في انشقاق الجامية من خلال خروج (الحدادين) الذين تجاوزوا بهجومهم على إرث علمي كبير بحرق كتب الإمام النووي وابن حجر وغيرهما.