الصفحة 33 من 41

ثم إن الأفكار التي ينادي بها أصحاب هذا التيار، خدمت المستشرقين خدمة جليلة، ولا عجب فكثيرٌ منهم تتلمذ علي أيدي المستشرقين ونهل من شبهاتهم وأهوائهم؛ بل وتفوَّق عليهم في عرضها وبثها بين المسلمين. ولقد أدرك المستشرقون أن الشبهة من قبلهم مردودة، ولكن إن كانت بلسان مسلم وببنانه فإن الأمر يختلف، ولذا لا تعجب إذا رأيت الدعم الغربي الكبير لأولئك، سواء كان دعمًا ماديًا أو معنويًا، أو تسخير وسائل الإعلام لهم.

إن هذا التيار من أعظم أسباب تردي الأمة الإسلامية، وضعفها، وذلك بسبب ما نشروه من أفكار مضللة هدامة، أصابت أمة الإسلام والمسلمين في مقتل. ولو كان الاختلاف مع هؤلاء في مسائل الفروع أو في مسائل الأصول التي كان فيها نزاع بين السلف، وكان خلافًا ناتجًا عن بحث واجتهاد وتحقيق وإتباع للأثر، لكان لهم منا العذر، ولكن أعرضوا عن هذا كله وخاضوا في الأصول المجمع عليها والمعلومة من الدين بالضرورة، وقدموا المعقول على المنقول، وتكلموا في ذات الله وفي أسمائه وصفاته بغير علم.

المبحث الرابع

أولى الناس بالعقل الصريح السليم

هناك اتهام باطل موجه إلى السَّلف من قبل أصحاب التيار العقلي، يزعمون أن متبعي النصوص الشرعية هم أصحاب جمود فكري بسبب تمسكهم بالكتاب والسّنة، وأنهم لا يستخدمون عقولهم بل يبخسون العقل حقّه، فلا يستخدمونه في أيٍ من نواحي الحياة، وفي هذا تشويه لأصحاب المنهج السلفي الذي كانوا وسطًا في نظرتهم إلى العقل، فلم يُلغوا دوره كما فعل غيرهم من الجامدين، ولم يغلوا فيه ويقحموه في مجالات مغيّبة لم يكن أهلًا لها كما فعل العقليون. بل استخدموه فيما أذن به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم ألجموه بلجام النصوص الشرعية لكي لا يطغى عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت