1-الغلو في العقل وتمجيده، وتقديمه على النصوص الشرعية.
المتأمل في أقوال أصحاب التيار العقلي يجد أنهم قد حكّموا العقل أكثر من تحكيمهم للشرع، بل جعلوا الأدلة العقلية مقدمة على الأدلة الشرعية، فكذبّوا بكل ما لا يتوافق مع عقولهم من أمور الشرع، وما لا يستطعون تكذيبه فإنهم يتسلطون عليه بالتحريف والتأويل، حتى تتفق لهم أصولهم ومبادئهم المتناقضة عقلًا وشرعًا.
قال الإمام محمد عبده (ت1323هـ) رحمه الله: (اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه! على أنه إذا تعارض العقل والنقل أُخِذ بما دل عليه العقل) [1] .
ولا ندري ماذا يعني بأهل الملة الإسلامية؟ ومن هؤلاء القليل؟ ومن الذي حكى هذا الاتفاق؟ وكيف يقال ذلك وكتب السلف والأئمة مليئة بالتحذير من مسلك المعتزلة الذين يقدمون العقل على النقل عند التعارض.
وقال السيد محمد رشيد رضا (1354هـ) رحمه الله:(ذَكَرْنا في المنار غير مرة أن الذي عليه المسلمون من أهل السنة [2] وغيرهم من الفرق المعتد بإسلامهم أن الدليل العقلي القطعي إذا جاء في ظاهر الشرع ما يخالفه فالعمل بالدليل القطعي متعين، ولنا في النقل التأويل أو التفويض، وهذه المسألة مذكورة في كتب العقائد التي تدرس في الأزهر وغيره من المدارس الإسلامية في كل الأقطار كقول الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها * أوِّلْه أو فوض ورم تنزيها) [3] .
فهو يقرر-عفا الله عنه- أنه عند التعارض يُقدم الدليل العقلي على ظاهر الشرع، وهذا خلاف منهج السف كما تقدم. وترتب عليه فتح الباب على مصراعيه لمن شاء أن يقول في كتاب الله ما شاء.
(1) الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، ص (56) . الطبعة السابعة، دار المنار، 1367هـ.
(2) ويعني بهم الأشاعرة.
(3) شبهات النصارى وحجج الإسلام: محمد رشيد رضا ص (71-72) ، الطبعة الثانية، دار المنار، 1367هـ.