وهذا الاعتماد على العقل أدى بهم إلى عكس النتيجة التي كانوا يرمون إليها، فهم يريدون الوصول إلى اليقين القاطع من خلال أدلتهم العقلية، فإذا بهم يجدون أنفسهم في قمة الشك والحيرة، وهذا بشهادة علمائهم وكبرائهم.
فليت السائرين على منهجهم، المقتفين آثارهم، يتعظون بهم، وما وصلوا إليه من الانحراف والضياع، ويعيدون النظر فيما عندهم، فينقادون لشرع الله وهديه خيرًا لهم إن كانوا يعقلون.
وأخيرًا فإن هذا الموقف للسلف ليس طعنًا في الأدلة العقلية الصحيحة وإنما هو رد لكل ما خالف الكتاب والسنة مما يُدّعى أن العقل دل عليه وليس كذلك.
قال ابن تيمية رحمه الله: (واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما عَلِم العقل صحته، وإنما يطعنون فيما يدعى المعارض أنه يخالف الكتاب والسنّة، وليس في ذلك-ولله الحمد- دليل صحيح في نفس الأمر، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء، ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل) [1] .
ولهذا استدل السلف ببعض الأقيسة العقلية في بعض مسائل العقيدة كما هو مبسوط في موضعه.
المبحث الثالث
أثر التيار العقلي في حياة المسلمين المعاصرة
المتأمل في أقوال وكتبات أرباب التيار العقلي المعاصر -أو من يسمّون بالعقليين الجدد، أو المعتزلة الجدد [2] - يجد أنهم قد تأثروا بأسلافهم المعتزلة في التعامل مع نصوص الوحي فردّوها بالعقل أو حرفوها، وساروا على منوالهم حذو القذة بالقذة.
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/194) .
(2) ونعني به الاتجاه الذي يقدم العقل على النقل، ويجعل العقل مصدرًا من مصادر الدين ومحكّما على النصوص. وانظر: الاتجاهات العقلانية الحديثة، للدكتور ناصر العقل، ص (17) .