الصفحة 19 من 41

فأي نظرية تأتي بعدها نظريات لا تخلو عن أن يُقَالَ: إنها براهين أو قواطع عقلية، فهي من وضع عقول البشر، فهو يبين كيف أنه لا يمكن أبدًا أن يتعارض الوحي الصحيح الصريح مع العقل الصحيح الصريح، ويرد على كل الأقوال التي أوردها أُولئِك النَّاس في هذا التعارض.

ولما وضع الفخر الرازي القانون الكلي في تعارض العقل والنقل، وقد ذكره مَنْ قبله؛ لكنه ذكره كقانون في كتاب أساس التقديس، نقضه ورد عليه شيخ الإسلام في كتابه نقض التأسيس أو بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية.

ثم يقال لهؤلاء من المعلوم عند العقلاء أن العقول البشرية متفاوتة فيما بينها، فما يعرفه عقل فلان من الناس، قد ينكره عقل آخر، وما يتصوره عقل قد يجهله آخر، إلى غير ذلك من الاختلافات، فأي عقل منها إذن هو الذي يجعل ميزانًا لمعرفة الحقائق. ثم ما فائدة الوحي المنزل مادام أن العقل قادر بنفسه على معرفة ما يجب لله، وما ينفى عنه؟

بل يعتبر الوحي على مذهب العقليين موبقًا للعقل، ومتعبًا له، لأنه سينشغل برد بعضه، أو بصرفه عن ظاهره لمخالفته له.

وأخيرًا فإن السلف كانوا وسطًا في نظرتهم إلى العقل، فلم يلغوا دوره الحقيقي، ولم يغلوا فيه ويقحموه في مجالات غيبية،لم يكن أهلا لها، بل استخدموه فيما أذن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم ألجموه بلجام النصوص الشرعية لكيلا يطغى عليها. ويعتبرون الأدلة النقلية تفيد اليقين سواء كانت سمعية، أو سمعية عقلية، ويكتفون بها في الاستدلال، وإن أتوا بدليل عقلي ليس في النقل فإنما يأتون به للاعتضاد والاستئناس، لا للتعويل عليه وجعله هو الأساس كما يفعل العقليون. حيث جعلوا الأدلة العقلية في اصطلاحهم تفيد اليقين القاطع، ولذلك سمّوها في كتبهم بالقواطع العقلية، وتارة بالبراهين العقلية، وتارة بالحجج. أما الأدلة النقلية فقد كان موقفهم منها على العكس من ذلك تمامًا [1] .

(1) انظر: معالم أصول الدين للرازي، ص (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت