الصفحة 99 من 233

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ( عَلَى الأَرَائِكَ يَنْظُرُونَ ) . [1]

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ( لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) ، ( لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيْدٌ ) ، وهذا البابُ في كِتابِ اللهِ كَثيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ القُرآنَ طالِبًا للهُدى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لهُ طريقُ الحَقِّ. [2]

(1) قَولُهُ: (عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) : الأرائكُ جمعُ أَرِيكَةٍ وهي: السُّرُرُ تَحْتَ الحجَالِ.

قَولُهُ: (يَنْظُرُونَ) : أي ينظرونَ إلى وجهِ اللهِ، وهذا مقابلٌ لما وُصفَ به أولئك الفُجَّارُ في قَولِهِ: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) فذُكِرَ عن هؤلاءِ أنَّهم يُبَاحونَ النَّظرَ إلى اللهِ، وهم على سُررِهم وفُرُشِهِمْ وعن أولئكِ الفجَّارِ أنَّهم يُحجبَون عن رؤيتِه، وقد استدلَّ العلماءُ بهذه الآيةِ، أي قَولِهِ: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) على إثباتِ رؤيةِ اللهِ، قالوا: لأنَّه لمَّا حَجَبَ أعداءَه عن رُؤْيَته دلَّ على أنَّ أولياءَه يَرَوْنه.

(2) قَولُهُ: (أَحْسَنُوا) : أي في أعمالِهم، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا الإحسانِ.

قَولُهُ: (الحُسْنَى) : أي الجنَّةُ. (وَزِيَادَةٌ) وهي النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ، كما فسَّرها رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- والصَّحابةُ، ولمَّا عطفَ الزِّيادةَ على (الحُسْنَى) دلَّ على أنَّها جزاءٌ آخرُ وراءَ الجنَّةِ وقَدْرٌ زائدٌ عليها، وثبتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- تفسيرُ الزِّيادةِ بالنَّظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ.

قال ابنُ رجبٍ رَحمه اللهُ: وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً لأهلِ الإحسانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعْبدَ المؤمنُ ربَّه على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ كأنَّه يراهُ بقلبِه وينظرُ إليه في حالِ عبادتِه، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى وجهِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- عيانًا في الآخرةِ وعكسُ هذا ما أخبرَ به عن جزاءِ الكُفَّارِ أنَّهم عن ربِّهم محجوبونَ، وذلك جزاءٌ لحالِهم في الدُّنْيَا، وهو تَرَاكُمُ الرَّانِ على قلوبِهم حتَّى حجبتْ عن معرفتِه في الدُّنْيَا، فكانَ جزاؤُهم على ذلك أَنْ حُجِبوا عن رؤيتِه في الآخرةِ. انتهى.

قَولُهُ: (لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها) : أي في الجنَّةِ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعَتْ ولا خَطَر على قَلبِ بَشَرٍ، كما في حديثِ أبي هريرةَ عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِيِنَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) )ثمَّ قرَأ: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) رواه البخاريُّ.

قَولُهُ: (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) : وهو النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما قالَ ذلك عليُّ بنُ أبي طالبٍ وأنسٌ وغيرُهم: أفادت الآياتُ إثباتَ الرُّؤيةِ، وأنَّها خاصَّةٌ بيومِ القيامةِ، وأنَّ رؤيَةَ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- من أَجَلِّ نعيمِ الجنَّةِ وأعظمِه.اهـ.

قَولُهُ: (وهذا البابُ) : أي بابُ معرفةِ اللهِ بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه وما يستحقُّه -سُبْحَانَهُ- من إفرادِه بالعبادةِ وتركِ عبادةِ ما سواه.

قَولُهُ: (في كتابِ اللهِ كثيرٌ) : فقد أفصحَ القرآنُ عنه كلَّ الإفصاحِ، وأغلبُ سورِ القرآنِ مُتضمِّنةٌ لذلك، بل كلُّ سورةٍ من القرآنِ، فإنَّ القرآنَ إمَّا خَبَرٌ عن اللهِ وأسمائِه وصفاتِه، وهو التَّوحيدُ العلميُّ الخَبَريُّ، وإمَّا دعوةٌ إلى عبادتِه وحدَه لا شريكَ له، وخَلْعِ ما يُعْبدُ من دونِه وهو التَّوحيدُ الطَلَبِيُّ، وإمَّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعتِه، فذلك من حقوقِ التَّوحيدِ ومُكَمِّلاتِه، وإمَّا خبرٌ عن إكرامِهِ لأهلِ توحيدِه وما فُعِل بهم في الدُّنْيَا وما يُكْرمُهم به في الآخرةِ، فهو جزاؤُه وتوحيدُه، وإمَّا خبرٌ عن أهلِ الشِّركِ وما فُعل بهم في العُقبى من العذابِ، فهو جزاءُ مَن خرجَ من توحيدِه، والقرآنُ كلُّه في التَّوحيدِ وحقوقهِ وجزائهِ وفي الشِّركِ وأهلِه وجزائِهم، فلا تجدُ كتابًا قد تضمَّنَ من البراهينِ والأدلَّةِ على هذه المطالبِ العاليةِ كما تضمَّنه القرآنُ بأسلوبٍ واضحٍ جَليٍّ، فألفاظُ القرآنِ أفصحُ الألفاظِ وأبينُها وأعظمُها مطابقةً لمعانيها المرادةِ منها، فلا تجدُ كلامًا أحسنَ تفسيرًا ولا أتمَّ بيانًا مِن كلامِه سُبْحَانَهُ، ولهذا سمَّاه بيانًا خلافًا لمَنْ زعمَ أنَّ كلامَ اللهِ ورسولِه لا يفيدُ العلمَ بشيءٍ من أصولِ الدِّينِ ولا يجوزُ أن تُستفادَ معرفةُ اللهِ وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه منه، وعبَّرَ عن ذلك بقَولِهِ: الأدلَّةُ اللفظيَّةُ لا تُفيدُ اليقينَ.

قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ: وزعَم قومٌ من غَاليةِ أهلِ البدعِ أنَّه لا يَصحُّ الاستدلالُ بالقرآنِ أو الحديثِ على المسائلِ القطعيَّةِ، بناءً على أنَّ الدَّلالةَ اللفظيَّةَ لا تفيدُ اليقينَ، كما زعموا وزعمَ كثيرٌ من أهلِ البدعِ أنَّه لا يُسْتَدلُّ بالأحاديثِ المُتلقَّاةِ بالقبولِ على مسائلِ الصِّفاتِ والقدرِ ونحوِهِما ممَّا يُطْلبُ فيه القطعُ واليقينُ.اهـ.

قَولُهُ: (مَن تدبَّرَ القرآنَ) : أي تَفكَّرَ فيه، والفكرُ: هو إِعْمَالُ النَّظرِ في الشَّيءِ، وقد جاءَ في الكتابِ والسُّنَّةِ الحثُّ على التَّدَبُّرِ والتَّفكُّرِ، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ) ، وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الحَاثَّةِ على التَّدبُّرِ وتفهُّمِ معاني القرآنِ، وفيها الرَّدُّ على مَن زعمَ أنَّه لا وصولَ إلى ذلك، وأنَّ بابَ الفهمِ عن اللهِ وعن رسولِه قد أُغلقَ، وبابَ الاجتهادِ قد سُدَّ، وهذا قولٌ باطلٌ تَردُّه أدلَّةُ الكتابِ والسُّنَّةِ.

قَولُهُ: (طالبًا للهُدى) : أي الرَّشادِ (تبيَّنَ له) : أي اتَّضَح (طريقُ) : أي سبيلُ.

قَولُهُ: (الحقِّ) : وهو ضدُّ الباطلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت