الصفحة 98 من 233

( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لَسَانُ الَّذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبينٌ) .

وَقَوْلُه تَعَالَى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ ) . [1]

(1) وقَولُهُ: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولونَ) : أي كُفَّارُ مكَّةَ: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) والبشرُ الإنسانُ ذكرًا كان أو أُنثى، وهو في الأصلِ جمعُ بَشَرةٍ، وهو ظاهرُ الجلدِ، سمَّوْه بشرًا لُظهورِ أَبْشَارِهم خلافًا لغيرِهم من الحيوانِ، أي إنَّ الَّذي يُعَلِّمُ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- آدمِيٌّ، وذلك أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كان يجلسُ إلى رجلٍ أعجميٍّ في مكَّةَ، وكان ذلك الرَّجلُ يقرأُ في الكُتبِ السَّابقةِ، فقالتْ قريشٌ: إنَّ هذا الرَّجلَ كان يُعلِّمُ محمَّدًا، فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بقَولِهِ: (لِسَانُ الَّذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبينٌ) .

قَولُهُ: (لسَانُ) : أي لغةُ (الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ) : أي يَميلون ويُشيرون إليه أنَّه يُعلِّمُ محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أعجميٌّ أي لا يتكلَّمُ بالعربيَّةِ، والعَجَمِيُّ المنسوبُ إلى العَجمِ وإن كان فصيحًا.

قَولُهُ: (لسانُ) : أي لغةُ، كما في هذه الآيةِ، وفي قَولِهِ سُبْحَانَهُ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) ويطلقُ اللسانُ ويرادُ به الذِّكرُ الحَسَنُ كما قال تعالى عن إبراهيمَ: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) ويُطلَقُ ويرادُ به الجَارِحَةُ، كما قال سُبْحَانَهُ: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ) الآيةَ.

قَولُهُ: (وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبينٌ) : أي وهذا القرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبينٌ، أي بَيِّنٌ واضحٌ فكيفَ يكونُ الَّذي يقَولُهُ أعجميًّا؟!

قَولُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) : أي وجوهُ المؤمنينَ (يَوْمَئِذٍ) : أي يومَ القيامةِ. (نَاضِرَةٌ) : بالضَّادِ من النَّضَارة وهي البهاءُ والحسنُ، ومنه نَضْرَةُ النَّعيمِ، وروى ابنُ مَرْدَوَيهِ بسندٍ إلى ابنِ عمرٍو قال: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في قَولِهِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) قال: من الحُسنِ والبَهاءِ ( إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ) قال: في وجهِ اللهِ.

قَولُهُ: (إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ) : مِن النَّظرِ بالعينِ، فَيَرَوْنَهُ -سُبْحَانَهُ- في عَرَصةِ القيامةِ، ويراه المؤمنونَ في الجنَّةِ، ولا يجوزُ حملُ النَّظرِ هنا بمعنى الانتظارِ إلى ثوابِ اللهِ، فإنَّه مُعَدَّى بِإِلى، ولا يُعَدَّى بإلي إلا إذا كانَ بمعنى النَّظرِ بالعينِ، وأيضًا فالانتظارُ لا يليقُ في دارِ القرارِ، فهذه الآيةُ صريحةٌ في أنَّ اللهَ يُرى عَيَانًا بالأبصارِ يومَ القيامةِ، وفيها الرَّدُّ على مَن زعَم أنَّ معنى (نَاظِرَةٌ) : أي مُنتظرةٌ ثوابَ ربِّها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التَّقديرِ، ولأنَّ النَّظرَ المُعَدَّى بإلى لا يكونُ إلا بمعنى النَّظرِ، لا سيَّما وقد ذُكرَ الوجهُ الَّذي هو محلُّ النَّظرِ، وقد تواترتِ الأدلَّةُ في إثباتِ النَّظرِ إلى وجهِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى.

قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في (النُّونيَّةِ) :

وَيَرَوْنَهُ -سُبْحَانَهُ- مِنْ فَوْقِهِمْ نَظَر العَيَانِ كَمَا يُرى القَمَرَانِ

هَذَا تَوَاتَر عَنْ رَسُولِ اللهِ لَمْ يُنْكِرْه إلا فَاسِدُ الإِيمَانِ

وقال ابنُ حجرٍ:

مِمَّا تَوَاتَر حَديثُ مَن كَذَب وَمَنْ بَنى للهُ بَيْتًا وَاحْتَسَب

وَرُؤْيَةٌ شَفَاعَةٌ وَالحَوْضُ وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذي بَعْض

وفي هذهِ الآيةِ دليلٌ على أنَّ هذه الرُّؤيةَ خاصَّةٌ بالمؤمنينَ، وفيها دليلٌ على أنَّ الرُّؤيَة تحصلُ للمؤمنينَ يومَ القيامةِ دونَ الدُّنْيَا، ولم يَثبتْ أنَّ أحدًا رآه -سُبْحَانَهُ- في الدُّنْيَا، قالَ اللهُ في حقِّ موسى عليه السَّلامُ: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ) أي في الدُّنْيَا، وفي صحيحِ مسلمٍ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا ) ). واخْتُلِفَ هل حصلتِ الرُّؤيةُ لنبيِّنا محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-؟ فالأكثرونَ على أنَّه لم يرهُ -سُبْحَانَهُ- وحكاهُ عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارميُّ بإجماعِ الصَّحابةِ.

قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ: والنَّاسُ في إثباتِ الرُّؤيةِ وعدمِها طَرفان ووسطٌ، فقِسمٌ غَلَوا في إثباتِها حتَّى أثبتُوها في الدُّنْيَا والآخرةِ، وهم الصُّوفيَّةُ وأَضْرابُهم، وقِسمٌ نَفوها في الدُّنْيَا والآخرةِ وهم الجهميَّةُ والمعتزلةُ، والوسطُ هم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ الَّذين أثبَتوها في الآخرةِ فقط حسبما تواترتْ به الأدلَّةُ. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت