( فصلٌ في سنَّةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ القُرْآنَ. [1]
(1) (الفصلُ) : لغةً الحاجزُ بين الشَّيئينِ، واصطلاحًا: هو اسمٌ لجملةٍ مِن العلمِ تحتَه فروعٌ ومسائلُ غالبًا، لمَّا ذكرَ لمؤلِّفُ أدلَّةَ الكتابِ أتبعها بأدلَّةِ السُّنَّةِ، جريًا على عادةِ السَّلفِ الصَّالحِ رحمهم اللهُ وأتباعِهِم، فإنَّهم كانوا يذكرونَ الآياتِ في البابِ ثمَّ يُتبعُونها بالأحاديثِ الموافِقةِ لها، كما فعلَ البخاريُّ ومَن قبلَه ومَن بعدَه مِن المصنِّفين في السُّنَّة يَحتَجُّونَ على أحاديثِ النُّزولِ والرَّؤيةِ والتَّكلُّمِ والوجهِ واليدينِ والإتيانِ ونحوِ ذلك بما في القرآنِ، ويُثبتونَ بذلك اتَّفاقَ دلالةِ القرآنِ والسُّنَّةِ عليها، وأنَّهما من مشكاةٍ واحدةٍ، ولا ينكرُ ذلك مَن له أدنى معرفةٍ وإيمانٍ، فإنَّ السُّنَّةَ كالكتابِ في إفادةِ العلمِ واليقينِ، وفي وجوبِ القبولِ واعتقادِ ما تضمَّنته، خلافًا لما عليه أهلُ البدعِ الَّذين قالوا: لا يُحتَجُّ بكلامِ رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- على شيءٍ من الصِّفاتِ، وقالوا في تلك الأدلَّةِ: إنَّها ظواهرُ لفظيَّةٌ لا تفيدُ اليقينَ، وزعموا أنَّ الَّذي يفيدُ اليقينَ هو نُحاتةُ أفكارِهم وسفالةُ أذهانهِم، وهذا إبطالٌ لدينِ الإسلامِ رأسًا.
قَولُهُ: (سُنَّةِ رسولِ اللهِ) : السُّنَّةُ لغةً: الطَّريقةُ، وعُرفًا: هي أقوالُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وأفعالُه وتقريراتُهُ، وتُطَلقُ السُّنَّةُ تارةً على ما يُقابلُ القرآنَ، كما هنا وكما في حديثِ: (( يَؤُمُّ القَّوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإنْ كَانُوا فيِ القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ) )، وتُطلقُ تارةً على ما يُقابِلُ الفرضَ وغيرَه من الأحكامِ الخمسةِ، وربما لا يُرادُ بها إلا ما يُقابلُ الفروضَ كفروضِ الوضوءِ وسُننِه، وتُطلقُ تارةً على ما يُقابلُ البدعةَ، فيُقالُ أهلُ السُّنَّةِ والبدعةِ.
قَولُهُ: (فالسُّنَّةُ تفسِّرُ القرآنَ) : أي تُبيِّنُه وتوضِّحُه، والتَّفسيرُ في الأصلِ هو الكشفُ والإيضاحُ، وفي الاصطلاحِ: توضيحُ معنى الآيةِ وشأنِهَا والسَّببِ الَّذي أُنزلتْ فيه بلفظٍ يدلُّ عليه دلالةً ظاهرةً. انتهى. مِن التَّعريفاتِ.
فتفسيرُ اللفظِ تَبيينُ معناهُ وتوضيحُه، ويكونُ بذكرِ لفظٍ أوضحَ من المفسَّرِ، ويكونُ أيضًا بذكْرِ ضِدِّ الشَّيءِ كما قيل:
والضِّدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضِّدُّ وَبِضِّدِها تتبيَّنُ الأشياءُ
فإنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بيَّن لأصحابِه القرآنَ، لفظَه ومعناه، فَبَلَّغهم معانيَه كما بلَّغَهم ألفاظَه، ولا يحصلُ البيانُ والبلاغُ المقصودُ إلا بذلك، كما قال -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
وأيضًا فإنَّ اللهَ أنزلَ على نبيِّهِ الحكمةَ كما أنزلَ القرآنَ، والحكمةُ هي: السُّنَّةُ كما قاله غيرُ واحدٍ من السَّلفِ، وقالَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( أَلاَ وَإِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) )رواه أصحابُ السُّننِ من حديثِ المقدامِ بنِ مَعْدي كرِبَ، وقال سُبْحَانَهُ: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) ، وإنَّما يحسنُ الاستدلالُ على معاني القرآنِ بما رواه الثِّقاتُ عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، ثمَّ يتبعُ ذلك بما قالَهُ الصَّحابةُ والتَّابعون وأئمَّةُ الهُدى، ولا شكَّ أنَّ تفسيرَ القرآنِ بهذه الطَّريقةِ خيرٌ ممَّا هو مأخوذٌ عن أئمَّةِ الضَّلالِ وشيوخِ التَّجهُّمِ والاعتزالِ، الَّذين أحدثوا في الإسلامِ بدعًا وضلالاتٍ وفَرَّقوا دينهَم وكانوا شيعًا، وَنَبذوا كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولهِ وراءَ ظهورِهم.