وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ. [1] .
(1) قَولُهُ: (وتُبيِّنُه) : أي توضِّحُه وتكشفُ معناه، والبيانُ اصطلاحًا: قيل: هو إخراجُ المعنى من حَيِّزِ الإشكالِ إلى حيِّزِ التَّجلِّي والوضوحِ، فالسُّنَّةُ كما أشارَ إليها المؤلِّفُ تُبيِّنُ مجملَ الكتابِ، كما في الصَّلاةِ والصَّومِ والحجِّ والبيعِ، وغالبِ الأحكامِ الَّتي جاء تفصيلُها في السُّنَّةِ، والبيانِ يحصلُ بالقولِ وبالفعلِ وبالإقرارِ على الفعلِ.
قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ: وبيانُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أقسامٌ، بيانُه لألفاظِ الوحْيِ ومعانيه بقَولِهِ أو فعلِه أو إقرارِه، بيانٌ للقرآنِ، وبيانٌ ابتدائيٌّ يَبْتدئُ النَّاسُ أو يَسألُونه، وبيانُه بالقولِ والفعلِ لمُجْمَلاتِ القرآنِ. انتهى.
قَولُهُ: (وتَدلُّ عليه) : من الدِّلالةِ بكسرِ الدَّالِ وفتحِها، وهو ما يقتَضِيه اللفظُ عند إطلاقِه، واسمُ الفاعلِ دَالٌّ ودليلٌ وهو المَبَيِّنُ والكاشفُ، ودلالةُ اللفظِ الوَضْعِيَّةُ تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: دلالةٍ مُطابقةٍ، ودلالةِ تَضَمُّنٍ، ودلالةِ الْتِزَامٍ، فدلالةُ المطابقةِ: هي دلالةُ اللفظِ على تَمامِ المعنى الَّذي وُضِعَ له، كدلالةِ الرَّجلِ على الإنسانِ الذَّكرِ ودلالةِ المرأةِ على الإنسانِ الأنْثى، وسُمِّيتْ مطابقةً لِتَطَابُقِ الفَهمِ والوَضعِ فيها، ودلالةُ التَّضمُّنِ: هي دلالةُ اللفظِ على جزءِ مُسمَّاه، كدلالةِ لفظِ الأربعةِ على الواحدِ رُبْعِها، وسُمِّيت تضمُّنًا؛ لأنَّ بعضَ المعنى مفهومٌ من ضِمنِ كُلِّه ضَرورةً، ودلالةُ الالتزامِ: هي دلالةُ اللفظِ على خارجٍ من مُسمَّاه ولازمِ المعنى، كلزومِ الزوجيَّةِ للفظِ أربعةٌ.
قَولُهُ: (وتعبِّرُ عنه) : أي تُبينُ وتُعربُ، ويُقالُ: هو عِبارةٌ عن كذا أي بمعناه ومُساوٍ له في الدَّلالةِ، فظهرَ ممَّا تقدَّمَ أنَّ السُّنَّةَ تُفسِّرُ القرآنَ وتُبيِّنُ مُجملَه وتُقيِّدُ مطلقَه إلى غيرِ ذلك.
قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ: السُّنَّةُ مع القرآنِ على ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدِها: أنْ تكونَ موافقةً له من كلِّ وجهٍ، فيكونُ تَوارُدُ الكتابِ والسُّنَّةِ على الحكمِ من بابِ تَواردِ الأدلَّةِ وتَضَافرِها.
الثَّاني: أَنْ تكونَ بيانًا لما أُريدَ بالقرآنِ وتفسيرًا له.
الثَّالثِ: أنْ تكونَ مُوجِبةً لحكمٍ سَكتَ القرآنُ عن إيجابِه، أو تَحريمِ ما سَكتَ القرآنُ عن تحريمِه، ولا تَخْرجُ عن هذه الأقسامِ.