الصفحة 102 من 233

ومَا وَصَفَ الرَّسُولُ بهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأحاديِثِ الصِّحَاحِ الَّتي تَلَقَّاها أَهْلُ المَعْرِفَةِ بالقَبُولِ؛ وَجَبَ الإِيمانُ بِها كَذلكَ). [1]

(1) قَولُهُ: (وما وصفَ الرَّسولُ به ربَّهُ عز وجل من الأحاديثِ) : جَمعُ حديثٍ وهو لُغةً: ضِدُّ القديمِ، واصطلاحًا: ما أُضيفَ إلى النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قَوْلًا أو فِعلًا أو تَقريرًا.

قَولُهُ: (الصِّحاحِ) : مِن الصِّحةِ هو لغةً: ضدُّ السَّقَمِ، واصطلاحًا: هو ما نَقَلَهُ العدْلُ الضَّابطُ عن مثلهِ مِن غيرِ شذوذٍ ولا علَّةٍ، فهو مَا جمعَ خمسةَ شروطٍ: عدالةِ الرُّواةِ وضبطِهمْ، واتصالِ السَّندِ، وأنْ لا يكونَ فيه شذوذٌ، وأن لا يكونَ فيه عِلَّةٌ، وهذه الشُّروطُ شروطُ الصحيحِ لذاته، أمَّا الصَّحيحُ لغيرِه، فهو ما اختلَّ فيه شرطٌ مِن هذه الشُّروطِ، ولكن انجبرَ بمجيئِهِ مِن طُرقٍ أخرى، وحُكْمُ الصَّحيحِ القبولُ.

قَولُهُ: ( تلقَّاها) : أيْ قَبِلَها وأَخَذَها، يقالُ تلقَّى القولَ وتلقَّنه وتلقَّفه.

قَولُهُ: (أهلُ المعرفةِ) : أي أهلُ العلمِ بالحديثِ، وهم علماءُ الحديثِ العالِمُون بأحوالِ نبيِّهم الضَّابطون لأقوالِه وأفعالِه، والمُعتنُون بها، ولا عِبْرةَ بمَن عدَاهُم مِن المتكلِّمينَ وغيرِهِم، فإنَّ الاعتبارَ في كلِّ عِلْمٍ بأهلِ العِلْم بهِ دونَ غيرِهِم.

فهذه الأخبارُ تُفِيدُ العِلْمَ عند مَنْ له عنايةٌ بمعرفةِ ما جاءَ بهِ الرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ومعرفةِ أحوالِ دعوتِه على التَّفصيلِ، فإنَّ أهلَ الحديثِ لهمْ فِقهٌ خاصٌّ في الحديثِ مختصُّون بمعرفتِه، كما يختصُّ البصيرُ في معرفةِ النقودِ، جيِّدِها ورديئِها، خالِصِها ومشوبِهَا، وقد امْتحِنَ غَيرُ واحدٍ مِن هؤلاءِ العلماءِ في زمنِ أبي زُرْعةَ وأبي حاتمٍ فوجدَ الأمرُ على ذلك، فقال السائلُ: أشهدُ أنَّ هذا العلمَ إلهامٌ، قال الأعمشُ: كان إبراهيمُ النخعيُّ صيرفيًّا في الحديثِ، كنتُ أسمعُ مِن الرِّجالِ فأعرِضُ عليه ما سمِعْتُه، وقالَ الأوزاعيُّ: كنَّا نسمعُ الحديثَ فنعرضُهُ على أصحابِنَا كما نعرضُ الدرهمَ الزَّائفَ على الصيارفِ، فما عَرفوا أخذنَا ومَا أنكَروا تركنَا، وقدْ رُوِيَ مثلُ هذا عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِه.

قَولُهُ: (المعرفةِ) : المعرفةُ في اللُّغةِ: بمعنى العلمِ، قالَ في شرحِ (مختصرِ التَّحريرِ) : يطلقُ العِلْمُ ويرادُ به معنى المعرفَةِ، ويرادُ بها العلمُ، وذكرَ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ فروقًا بينَ العلمِ والمعرفةِ لفظيَّةً ومعنويةً، فاللَّفظيةُ أنَّ فعلَ المعرفةِ يقعُ على مفعولٍ واحدٍ، تقولُ عرفتُ الدَّارَ، وفعلُ العلمِ يقتضي مَفعولينِ، كقَولِهِ: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) الآيةَ، وإنْ وقعَ على مفعولٍ كان بمعنى المعرفةِ كقَولِهِ: (وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) وأمَّا الفروقُ المعنويَّةُ فذكرَ عدَّةَ فروقٍ، منها أنَّ المعرفَةَ تتعلَّقُ بذاتِ الشَّيءِ، والعلمُ يتعلَّقُ بأحوالِه، فتقولُ عَرَفْتُ أباكَ وعَلِمْتُه صالحًا، وساقَ عدَّةَ فروقٍ في (المدَارجِ) .

قَولُهُ: (بالقبولِ وجبَ الإيمانُ بها كذلك) : أي كما يجبُ الإيمانُ بالقرآنِ، فإنَّ اللهَ أنْزَلَ على رسولِه وحيَيْنِ، فأوجبَ على عبادِه الإيمانَ بهما والعملَ بما فيهما وهما الكتابُ والسُّنَّةُ، قال تعالى: (وَأَنزَلَ عليك الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) والحكمَةُ هي السُّنَّةُ باتفاقِ السَّلَفِ، وما أخبرَ به الرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- عَنِ اللهِ فهو في وجوبِ تصديقِه والإيمانِ به كمَا أخبَر بهِ الرَّبُ على لسانِ رسولِه، وهذا أصلٌ متفقٌ عليهِ بينَ عُلماءِ الإسلامِ لا ينُكرُه إلا مَن ليسَ منهم.

وفي السُّنَنِ مِن حديثِ المِقْدَامِ بنِ معدِي كَرِبَ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) )فهذه الأخبارُ الَّتي زعمَ هؤلاءِ أنَّه لاَ يستفادُ منها علمٌ نزَلَ بها جبريلُ مِن عندِ اللهِ كمَا نزلَ بالقرآنِ، قال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) . انتهى. مِن (الصَّواعقِ) باختصارٍ.

والمقبولُ في هذا البابِ مِن أنواعِ السُّنَّة أربعةُ أنواعٍ، كما أشارَ إلى ذلكَ ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في (الصَّواعقِ) : (الأوَّلُ) ما تواترَ لفظًا ومعنًى. (الثَّاني) ما تواترَ معنًى. (الثَّالثُ) : أخبارٌ مستفيضَةٌ متلقَّاةٌ بالقبولِ. (الرَّابعُ) أخبارُ آحادٍ ثبتتْ بنقلِ الْعَدْلِ الضَّابطِ عن مثلِه، فهذهِ الأنواعُ هي المقبولَةُ في بابِ العِلميَّاتِ، فإنَّ هذا البابَ لا يُبْنى إلاَّ على ما ثبتَ بطريقٍ لا كلامَ فيهِ، فهذه الأنواعُ الأربعةُ مفيدةٌ للعلمِ واليقينِ موجبةٌ للعلمِ والعملِ جميعًا.

قالَ الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ: الَّذي عليه الأُصُولِيِّون مِن أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ أنَّ خبَرَ الواحدِ إذا تلقَّته الأمَّةُ بالقبولِ تصْدِيقًا له وعملًا به يوجبُ العلمَ، إلاَّ فرقةً قليلةً اتَّبعوا طائفةً مِن أهلِ الكلامِ أنكرُوا ذلك، وقال في (الكوكبِ المنيرِ) : ويُعملُ بآحادِ الأحاديثِ في أصولِ الدِّياناتِ، وحكى ذلك ابنُ عبدِ البرِّ رحمه اللهُ إجماعًا، قالَ الإمامُ أحمدُ رحمه الله: لا تتعدَّى القرآنَ والحديثَ، وقال العلاَّمةُ ابنُ قاضِي الجبلِ: مذهبُ الحنابلةِ أنَّ أخبَارَ الآحادِ المتلقَّاةِ بالقبولِ تصلُحُ لإثباتِ أصولِ الدِّياناتِ، ذكرَه أبو يَعْلى والشيخُ تقيُّ الدِّينِ في عقيدَتِه، والأدلَّةُ على قبولِ خبرِ الآحادِ كثيرةٌ جدًّا، وقدْ ذكرَ ابنُ القيِّمِ هذا القولَ في كتابِه (الصَّواعقِ) وأفاضَ في ذكرِ الأدلَّةِ على ذلك، وكذلكَ ذكرَهُ في (النُّونيَّةِ) ، وقالَ ابنُ القاصِّ: لا خلافَ بينَ أهلِ الفقهِ في قَبُولِ خَبَرِ الآحادِ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت