الصفحة 44 من 233

وقوله سُبْحَانَهُ: ( وأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنينَ ) . [1]

(1) قولُه: (وأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنينَ) : لمَّا حثَّ على الصَّدقةِ والإنفاقِ في وجوهِ الخيرِ أمرَ بالإحسانِ، وهو أعلى مقاماتِ الطَّاعةِ، وهو الإتيانُ بالعملِ على أحسنِ أحوالِهِ وأكملِها، وهذا أمرٌ عامٌّ بالإحسانِ في معاملةِ اللهِ، وفي معاملةِ خلقِه، إذ حَذْفُ المعمولِ يُؤْذِنُ بالعمومِ.

عن شدَّادِ بنِ أوسٍ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلى كُلِّ شَيءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) )رواه مُسلمٌ. فهذا الحديثُ كالآيةِ فيهما دليلٌ على وجوبِ الإحسانِ في كلِّ شيءٍ من الأعمالِ، لكنَّ إحسانَ كلِّ شيءٍ بحسَبِهِ، وفي هذه الآيةِ وأمثالِها دليلٌ على أنَّ اللهَ موصوفٌ بالمحبَّةِ، وأنَّه يحبُّ حقيقةً, ومحبَّتُه -سُبْحَانَهُ- كما يليقُ بجلالِه، وفيها دليلٌ على أنَّه يُحبُّ مقتضى أسمائِه وصفاتِه وما يوافقُها، فهو مُحْسِنٌ يُحِبُّ المحْسِنين، ومُؤمِنٌ يُحبُّ المؤمنينَ، وفي هذه الآيةِ وأمثالِها دليلٌ على أنَّ محبَّتَه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- تتفاضلُ، فيحبُّ بعضَ المؤمنين أكثرَ من بعضٍ، وفيها إشارةٌ إلى أنَّ الجزاءَ من جنسِ العملِ، وأنَّ الإحسانَ أَعظَمُ سَبَبٍ لمحبَّةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- للعبدِ، وفيها أدلَّةٌ واضحةٌ على إثباتِ فِعلِ العبدِ وكسبِه، وأنه يُثَابُ على حَسَنِه ويُعاقَبُ على سيِّئِه، فتضمَّنتْ هذه الآيةُ الرَّدَّ على القدريَّةِ والجبريَّةِ، وفيها إثباتُ العلَّةِ والحكمةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت