يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ). [1]
(1) قولُه: (يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإِسْلامِ) : أي يُوسِّعْ قلبَهُ للإيمانِ، بأَنْ يقذفَ في قلبِه نورًا فينفسحَ له، ويَقْبلَه.
قوله: (ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) : أي ومَنْ شاءَ -سُبْحَانَهُ- أَنْ يُضلَّهُ عنِ الهُدى يجعلْ صدرَهُ ضيِّقا، أي عن قبولِ الإيمانِ، وحرجًا، أي شديدَ الضِّيقِ، فلا يَبقى فيه منفذٌ للخيرِ، ومكانٌ حَرِجٌ، أي ضيِّقٌ، كثيرُ الشَّجرِ، لا تصِلُ إليه الرَّاعيةُ، والحرجُ أيضا: الإثمُ.
قولُه: (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ) : أي إذا كُلِّفَ الإيمانَ كأنَّما يَصَّعدُ في السَّماءِ لشدَّتهِ عليه.
قولُه: (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) يقولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: كما يجعلُ صدرَ مَن أرادَ إضلالَهُ ضيِّقًا كذلك يُسلِّطُ عليه الشَّيطانَ وعلى أمثالِه ممَّن أبَى الإيمانَ باللهِ ورسولِه، فيغُويه ويُصَدُّه عن سبيلِ اللهِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: الرِّجسُ: الشَّيطانُ، وقال مجاهدٌ: الرِّجسُ كلُّ ما لا خيَر فيهِ، وقيلَ: العذابُ، ففي هذه الآيةِ أنَّ الهدايةَ والإضلالَ بيدِ اللهِ، وفيها أنَّ العبدَ مُفتقِرٌ إلى ربِّه في كلِّ شيءٍ، وأنَّ العبادَ لا يملكونَ لأنفسهِم نفعًا ولا ضرًّا، وأنَّ مَن تفرَّدَ بخلقِ العبدِ ورزقِه هو المستحِقُّ أَنْ يُفرَدَ بالألوهيَّةِ والعبادةِ والسُّؤالِ، وأنَّه ليسَ عندَ أحدٍ من هدايةِ القلوبِ وتفريجِ الكروبِ شيءٌ من ذلك، لا الأنبياءُ ولا الملائكةُ ولا غيرُهم، ففيه الرَّدُّ على مَن زعمَ ذلك للنَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فَضْلا عن غيرِه. ا هـ.
وفي هذه الآيةِ كغيرِها دليلٌ على إثباتِ العلَّةِ والحكمةِ في أفعالِ اللهِ، إذ لا يعقلُ مريدٌ إلا إذا كان المُريدُ قد فعلَ لحكمةٍ يقصدُها بالفعلِ، وإثباتُ الحكمةِ في أفعالِه -سُبْحَانَهُ- هو قولُ السَّلفِ، وجمهورِ المُسلمين، وجمهورِ العُقلاءِ، وقالتْ طائفةٌ كَجَهْمٍ وأتباعِه: إنَّه لم يَخلقْ شيئًا لشيءٍ، ووافقَهُ أبو الحسنِ الأشعريُّ ومَن اتَّبعه، وهم يُثبتُون أنَّه مُريدٌ، ويُنكرونَ أنَّ له حِكمةً يريدُها، وهذا تناقَضٌ، انتهى. مِن كلامِ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ بنِ تيميةَ بتصرُّفٍ.
وفي هذهِ الآيةِ - كسوابِقها - إثباتُ الإرادةِ للهِ، كما يليقُ بجلالِه، وعُلِمَ ممَّا تقدَّم أنَّ الإرادةَ تنقسمُ إلى قِسمين، وأنَّ المشيئةَ لا تنقسمُ، وأنَّها مرادِفةٌ للإرادةِ الكونيَّةِ، كما عُلِمَ أنَّ المحبَّةَ والرِّضا أخصُّ مِن مطلقِ الإرادةِ، وأنَّ الأدلَّةَ دلَّتْ على الفرقِ بين المشيئةِ والمحبَّةِ والرِّضا، وأنَّ مَنْ جمعَ بينهما فقد ضلَّ ضلالًا مُبينًا، وصادمَ أدلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وجمعَ بيَن ما فَرَّقَ اللهُ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ: فالإرادةُ الكونيَّةُ: هي المشيئةُ لما خلقَهُ، وجميعُ المخلوقاتِ داخلةٌ في مشيئتِه وإرادتِه الكونيَّةِ، والإرادةُ الدِّينيَّةُ الشَّرعيَّةُ: هي المتضمِّنةُ للمحبَّةِ والرِّضا، المتناولةُ لجميعِ ما أمرَ به، وجعلَهُ شرعًا ودِينًا، وهذه مختصَّةٌ بالإيمانِ والعملِ الصَّالحِ، قال: ومنشأُ ضَلالِ مَن ضَلَّ: هو من التَّسويةِ بينَ المشيئةِ والإرادةِ، وبين المحبَّةِ والرِّضا، فَسوَّى بينهما الجبريَّةُ والقدريَّةُ، فقالت الجبريَّةُ: الكونُ كلُّه بقضائِه وقدرِه، فيكونُ محبوبًا مرضيًّا، وقالتِ القدريَّةُ النُّفاةُ: ليستِ المعاصِي محبوبةً له ولا مرضيَّةً، فليسَتْ مُقدَّرةً ولا مقضيةً، فهي خارجةٌ عن مشيئتِه وخلقِه.
وقد دَلَّ على الفرقِ بيَن المشيئةِ والمحبَّةِ: الكتابُ والسُّنَّةُ والفطرةُ الصَّحيحةُ، أمَّا نصوصُ المشيئةِ والإرادةِ فكقولِه سُبْحَانَهُ: (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ... ) ، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ) وأمَّا نصوصُ المحبَّةِ والرِّضا فكقولِه: (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) ، وقولِه: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) الآيةَ. انتهى.
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في (( المدارجِ ) ): ومرادُهُ -سُبْحَانَهُ- نوعانِِ: مُرادٌ يُحبُّه ويرضَاه ويمدحُ فاعِلَه ويوالِيه، فموافقتُه في هذا المُرادِ هي عينُ محبَّتِه، وإرادةُ خلافِه رعونةٌ ومعارضةٌ واعتراضٌ، ومُرادٌ يبغضُه ويكرهُه ويمقتُ فاعلَهُ، فموافقتُه في هذا المُرادِ عينُ مُشاقَّتِه ومعاداتِه، فهذا الموضِعُ موضعُ فُرقانٍ، فالموافقةُ كلُّ الموافقةِ في معارضةِ هذا المُرادِ، واعتراضِه بالدَّفعِ والرَّدِّ. انتهى.
وفي الآيةِ إثباتُ الهدايةِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وأنَّه الهادي لا سِواه، ومِن أسمائِه -سُبْحَانَهُ- الهادي، وهو الَّذي بصَّرَ عبادَهُ وعرَّفهم طريقَ معرفتِه، وهدى كلَّ مخلوقٍ إلى ما لابُدَّ له منه، وتنقسمُ الهدايةُ إلى قِسمين:
الأوَّلِ: هدايةٌ خاصَّةٌ باللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- لا هاديَ غيرُه ولاتُطلبُ إلا منه، وهي هدايةُ التَّوفيقِ والقبولِ والإلهامِ، وهي المُستلزمةُ للاهتداءِ، وهي المذكورةُ في قولِه -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) .
الثَّاني: الهدايةُ العامَّةُ، وهي هدايةُ الدَّلالةِ والإرشادِ والبيانِ، وهي المذكورةُ في قولِه: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فالنَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هو المُبَيِّنُ عن اللهِ، والدَّالُّ على دينِهِ وشرْعِه، وكذلك الأنبياءُ، وأتباعُهم، وهذه الهدايةُ لا تستلزمُ الاهتداءَ، ولهذا ينتفي معها الهُدى، كما في قولِه تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) أي بَيَّنا لثمودَ وأرشدْنَاهم فلم يَهتدُوا.
فالهدايةُ المنفيَّةُ عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وغيرِه هي: هدايةُ التَّوفيقِ والقبولِ، وأمَّا المثبتةُ له كغيرِه من الأنبياءِ والمُرسلين وأتباعِهم فهي هدايةُ الدَّلالةِ والإرشادِ.
وفي الآيةِ المتقدِّمةِ إثباتُ الصِّفاتِ الفعليَّةِ، وأنَّها تنقسمُ إلى قِسمين: مُتَعَدِّيَةٍ، ولازمةٍ. فالمتعدِّيةُ: ما تعدَّى إلى مفعولٍ، مثلِ خلقَ ورزقَ وهَدَى وأضلَّ. واللازمةُ كقولِه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ) (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) إلى غيرِ ذلِك ممَّا لا يُحْصى من النَّوعينِ، ذكرَ ذلك الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ، وابنُ القيِّمِ رحمهما اللهُ.
ذكرَ المصنِّفُ - رحمهُ اللهُ تعالى - الآياتِ في إثباتِ المشيئةِ والإرادةِ، ثمَّ ذكرَ الآياتِ في إثباتِ المحبَّةِ والرِّضا، إشارةً إلى الرَّدِّ على مَنْ زعمَ التَّسويةَ بين ما ذُكِرَ، وأنَّ المحبَّةَ والرِّضا والمشيئةَ متلازمان، ولا شكَّ في بُطلانِ هذا القولِ وفسادِه، فالأدلَّةُ الكثيرةُ دلَّتْ على الفرقِ بين محبَّتِهِ ورضاه وإرادتِه.
قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمه اللهُ في (( المنهاجِ ) ): فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يقولون: إنَّ اللهَ يُحِبُّ ويَرْضى، كما دلَّ على ذلك الكتابُ والسُّنَّةُ، ويقولون: إنَّ المحبَّةَ والرِّضا أخصُّ من الإرادةِ، فيقولون: إنَّ اللهَ لا يحبُّ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، ولا يَرضاه، وإنْ كانَ داخلًا في مُرادِه، كما دخلتْ سائرُ المخلوقاتِ، لِما في ذلك من الحكمةِ. انتهى.