وقَوْلُهُ: ( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ... [1]
(1) قولُه: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ) : أي مَن شاءَ -سُبْحَانَهُ- أن يَدُلَّهُ ويرشدَهُ ويوفِّقَهُ ويجعلَ قلبَهُ قابِلًا للخيِر هداهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ووفَّقه، فهدايةُ القلوبِ إليه -سُبْحَانَهُ- يهدي مَن يشاءُ بفضلِه، ويُضلُّ مَنْ يشاءُ بعدلِه، فلا تُطلبُ الهدايةُ إلا منه -سُبْحَانَهُ- فهو الهادِي كما قال: (مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ) وفي الحديثِ: (( كَلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ) )وليستْ هذه الآيةُ معارِضةً لحديثِ عياضِ بن حِمارٍ، عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ اللهُ: (( خَلَقْتُ عِبَادِيَ حُنَفَاءَ _ وفي روايةٍ - مُسْلِمينَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّياطِينُ ) )- فإنَّ اللهَ خلقَ بني آدمَ وفطرَهُمْ على قبولِ الإسلامِ والميلِ إليه دونَ غيرهِ، والتَّهيُّؤِ لذلك والاستعدادِ له بالقوَّةِ، لكنْ لا بُدَّ للعبدِ من تعلُّمِ الإسلامِ بالفعلِ، فإنَّه قَبلَ التَّعليمِ جاهلٌ لا يعرفُ شيئًا، كما قالَ سُبْحَانَهُ: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مَّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا) الآيةَ، فإنْ هداهُ اللهُ سبَّبَ له مَن يعلِّمُهُ الإسلامَ فصارَ مهديًّا بالفِعلِ، بعدَ أَنْ كانَ مهديًّا بالقوَّةِ، وإِنْ خَذَلَهُ قَيَّضَ له ما يغيِّرُ له فطرتَه، كما قالَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) )الحديثَ.