الصفحة 41 من 233

وقَوْلُه سُبْحَانَهُ: ( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيْدُ ) . [1]

(1) قولُه: (أُحِلَّتْ) أي أُبيحتْ.

قولُه: (بَهِيْمَةُ الأَنْعَامِ) : أي الإبلُ والبقرُ والغنمُ سُمَّيت بهيمةً؛ لأنَّها لا تتكلَّمُ وأمَّا النَّعمُ فهي الإبلُ خاصَّةً.

قولُه: (إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) : أي إلا ما يُتلى عليكم تحريمُه في قولِه سُبْحَانَهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) الآيةَ.

قولُه: (( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) : غيرَ نصبٌ على الحالِ، ومعنى الآيةِ: أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعامِ كلُّها إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنَّه صيدٌ لا يَحِلُّ لكم في حالِ الإحرامِ.

قولُه: (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) : أي يحكُمُ ما يريدُ من التَّحليلِ والتَّحريمِ، لا اعتراضَ عليهِ، فهو الحَكَمُ -سُبْحَانَهُ- الحكيمُ لا حاكمَ غيرُهُ، فكلُّ حُكمٍ سوى حكمِه فهو باطلٌ ومردودٌ، وكلُّ حاكِمٍ بغير حُكْمِهِ وحُكْمِ رسولهِ فهو طاغوتٌ كافِرٌ باللهِ، قال تعالى: (وَمَن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وهذا عامٌّ شامِلٌ فما من قضيَّةٍ إلا وللهِ فيها حُكمٌ: (مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) ولا شكَّ أنَّ مَنْ أعرضَ عن كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولهِ واعتاضَ عنها بالقوانينِ الوضعيَّةِ أنَّه كافرٌ باللهِ.

وكذلك منْ زَعَمَ أنَّه يسعُهُ الخروجُ عن شريعةِ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كما وَسِعَ الخَضِرَ الخروجُ عن شريعةِ موسى، أو زَعَمَ أنَّ هَديَ غيرِ محمَّدٍ أفضلُ من هديهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أو أحسنُ، أو زعمَ أنَّه لا يسعُ النَّاسَ في مثلِ هذه العصورِ إلا الخروجُ عن الشَّريعةِ وأنَّها كانتْ كافيةً في الزَّمانِ الأوَّلِ فقط، وأَمَّا في هذه الأزمنةِ فالشَّريعةُ لا تُسايرُ الزَّمنَ ولا بُدَّ من تنظيمِ قوانينَ بما يناسبُ الزَّمنَ، لا شكَّ إن اعتقدَ هذا الاعتقادَ أنَّه قد استهانَ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ، وتَنَقَّصَهما فلا شكَّ في كُفرِه وخروجِه عن الدِّينِ، وكذلك مَنْ زعمَ أنَّه محتاجٌ للشَّريعةِ في علمِ الظَّاهرِ دونَ علمِ الباطنِ، أو في علمِ الشَّريعةِ دونَ علمِ الحقيقةِ، أو أنَّ الإنسانَ حُرٌّ في التَّديُّنِ في أيِّ دينٍ شاءَ من يهوديَّةٍ أو نصرانيَّةٍ أو غيِرِ ذلك، أو أنَّ هذه الشَّرائعَ غيرُ منسوخةٍ بدينِ محمَّدٍ، أو استهانَ بدينِ الإسلامِ أو تَنَقَّصَهُ أو هزلَ به أو بشيءٍ من شرائعِه أو بمَن جاءَ به، وكذلك ألحقَ بعضُ العُلماءِ الاستهانةَ بحَمَلَتِه لأجلِ حملِهِ، فهذه الأمورُ كلُّها كفرٌ، قال تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) الآيةَ.

قولُه: (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ) : فيها إثباتُ صفةِ الحكمِ للهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، وقد تقدَّمَ أنَّ حُكمَهُ ينقسمُ إلى قِسمين. كونيٍّ، كما في قولِه: (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) ، وشرعيٍّ: كما في هذه الآيةِ.

قولُه: (مَا يُرِيدُ) : فيه إثباتُ الإرادةِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه، وأنَّه لم يزلْ مُريدًا بإراداتٍ متعاقِبةٍ، فنوعُ الإرادةِ قديمٌ، وأمَّا إرادةُ الشَّيءِ المعيَّنِ إنَّما يريدُه في وقتِه، فالإرادةُ مِن صفاتِ الفاعلِ، وهي تنقسمُ إلى قِسمين: إرادةٍ كونيَّةٍ قدريَّةٍ، وهذه مُرادِفَةٌ للمشيئةِ، وما أرادَه -سُبْحَانَهُ- كونًا وقدرًا فلابُدَّ مِن وقوعِهِ، فهذه الإرادةُ هي المتعلِّقةُ بالخلقِ وهو أنَّه يريدُ -سُبْحَانَهُ- أنْ يفعلَ هو. الثَّاني: إرادةٌ شرعيَّةٌ دينيَّةٌ، وهذه الإرادةُ المتعلِّقةُ بالأمرِ، وهي أنْ يُريدَ مِن عبدِه أنْ يفعلَ، وهذه مرادفةٌ للمحبَّةِ والرِّضا، فتجتمعُ الإرادتانِ في حقِّ المُخلصِ المُطيعِ، وتنفردُ الإرادةُ الكونيَّةُ في حقِّ العاصي، ومَن لم يُفرِّقْ بين النَّوعين فقدْ ضَلَّ كالجهميَّةِ والقدريَّةِ، فالإرادةُ الكونيَّةُ كقولِه: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإِسْلامِ) ، والدينيَّةُ كقولِهِ: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ) الآيةَ، فالمحبَّةُ والرِّضا أَخَصُّ مِن الإرادةِ، خلافًا للمعتزلةِ، وأكثرِ الأشاعرةِ القائلين: إنَّ المحبَّةَ والرِّضا والإرادةَ سواءٌ، فأهلُ السُّنَّةِ يقولونَ: إنَّ اللهَ لا يُحبُّ الكفرَ والفسوقَ ولا يَرْضاه، وإنْ كانَ قد أرادَهُ كونًا وقدرًا، كما دخلَتْ سائرُ المخلوقاتِ لِما في ذلك من الحكمةِ، وهو وإنْ كانَ شرًّا بالنَّسبةِ إلى الفاعلِ فليسَ كلُّ ما كان شرًّا بالنِّسبةِ إلى شخصٍ يكونُ عديمَ الحكمةِ، بل للهِ في بعضِ المخلوقاتِ حِكَمٌ قد يعلمُها بعضُ النَّاسِ وقد لا يعلَمُها. انتهى. مِن كلامِ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ بنِ تيميةَ، بتصرُّفٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت