وقَوْلُهُ تَعَالى: ( وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ ) ، وقَوْلُهُ: ( وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيْدُ ) . [1]
(1) قولُه: (وَلَوْلاَ) : أي وهلاَّ، قولُه: (إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ) أي هلاَّ قلتَ حين دخلتَ بُستانَك. قولُه: (مَا شَاءَ اللهُ) : (( ما ) )موصولةٌ، أي: الأمرُ ما شاءَ اللهُ إقرارًا بمشيئتِه، أي أنَّه إنْ شاءَ أبقاها، وإنْ شاءَ أفناها، واعترافًا بالعجزِ وأنَّ القدرةَ للهِ سُبْحَانَهُ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: من أعجبهُ شيءٌ فليقلْ: ما شاءَ اللهُ لا قوَّةَ إلا باللهِ، وفي هذه الآيةِ وصفُه -سُبْحَانَهُ- بالقوَّةِ وإثباتُ المشيئَةِ له الشَّاملةِ العامَّةِ، فما وقعَ من شيءٍ فقد شاءه وأرادَهُ، لا رَادَّ لأمرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكمِه.
قولُه: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيْدُ) : أي لو شاءَ -سُبْحَانَهُ- عدَمَ اقتتالِهم لم يَقتتِلوا، إذ لا يَجْري في مُلكِه إلا ما شاءَ سُبْحَانَهُ، فهذه الآيةُ فيها إثباتُ المشيئَةِ للهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، وأنَّ ما شاءَه لا بُدَّ من وقوعِه، فكلُّ ما وجِدَ فهو بمشيئتِه -سُبْحَانَهُ- لا رادَّ لأمرِه ولا مُعَقِّبَ لحكمِه، وهذا يُبْطِلُ قولَ المعتزلةِ، لأنَّه أخبرَ أنَّه لو شاءَ أَنْ لا يَقتتِلوا لم يقْتتِلوا، وهم يقولونَ شاءَ أَنْ لا يقتتِلوا فاقتَتلوا، والأدلَّةُ على بُطلانِ قولِ المعتزلةِ كثيرةٌ جدًّا، ومَن أضلُّ سبيلًا وأكفرُ ممَّن يزعمُ أَنَّ اللهَ شاءَ الإيمانَ من الكافرِ، والكافِرَ شَاءَ الكُفرَ، فغلبتْ مشيئَةُ الكافِرِ مشيئَةَ اللهِ: (تعالى اللهُ عن قولِهم) وفيها إثباتُ الفعلِ حقيقةً للهِ، كما يليقُ بجلالِه، وأَنَّ القدرةَ عليه صفةُ كمالٍ، وأنَّه -سُبْحَانَهُ- لم يزلْ فَعَّالًا لِما يريدُ ولم يزلْ ولا يزالُ موصوفًا بصفاتِ الكمالِ، والفعلُ من لوازمِ الحياةِ، والرَّبُّ لم يزلْ حيًّا فلم يزلْ فعَّالًا، وأفعالُه -سُبْحَانَهُ- كصفاتِه قائمةٌ به، ولولا ذلك لم يكنْ فَعَّالًا ولا موصوفًا بصفاتِ الكمالِ، فأفعالُه -سُبْحَانَهُ- نوعانِ: لازمةٌ، ومتعدِّيةٌ كما دلَّت على ذلك النُّصوصُ الَّتي لا تُحصى وهي أفعالٌ حقيقةً وليستْ مجازًا، وليستْ كأفعالِ خلقِه، فصفاتُه تليقُ به سُبْحَانَهُ، انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ باختصارٍ.
قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ: قولُه: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) : دليلٌ على أمورٍ. أحدِها: أنَّه -سُبْحَانَهُ- يفعلُ بإرادتِهِ ومشيئتِه. الثَّاني: أنَّه لم يزلْ كذلك، لأنَّه ساقَ ذلك في مَعْرِضِ المدحِ والثَّناءِ على نفسِه، وأَنَّ ذلك مِن كمالِه، فلا يجوزُ في وقتٍ من الأوقاتِ أَنْ يكونَ عادمًا لهذا الكمالِ، وما كانَ من أوصافِ كمالِه ونعوتِ جلالِه لم يكنْ حادِثًا بعد أَنْ لم يكن. الثَّالثِ: أنَّه إذا أرادَ شيئًا فعلَهُ، فإنَّ (( ما ) )موصولةٌ عامَّةٌ، أي يفعلُ كلَّ ما يريدُ أنْ يفعلَه، وهذا في إرادتِه المتعلِّقةِ بفعلِه، وأمَّا إرادتُه المتعلِّقةُ بفعلِ العبدِ فلها شأنٌ آخرُ، فإنَّ هنا إرادتيْنِ: إرادةَ أَنْ يفعلَ العبدُ، وإرادةَ أنْ يجعلَهُ الرَّبُّ فاعلًا، وليستا مُتلازمتَينِ، وإنْ لزمَ مِن الثَّانيةِ الأولى مِن غيرِ عكسٍ. الرَّابعِ: أنَّ إرادتَه وفعلَه متلازمتانِ، فما أرادَ أنْ يفعلَهُ فعلَه، وما فعلَه فقد أرادَهُ، بخلافِ المخلوقِ، فما ثَمَّ فعَّالٌ لما يريدُ إلا اللهَُ.
الخامسِ: إثباتُ إراداتٍ متعدِّدةٍ بحسَبِ الأفعالِ، وأَنَّ كلَّ فعلٍ له إرادةٌ تخُصُّه، هذا هو المعقولُ في الفِطَرِ.
السَّادسِ: أنَّ كلَّ ما صَلَحَ أَنْ تتعلَّقَ به إرادتُه جازَ فعلُه.