الصفحة 39 من 233

وقَوْلُهُ:( إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ... [1]

ذُو القُوَّةِ المَتْيِنُ )، وقَوْلُهُ: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ ) ، وقَوْلُهُ: ( إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيْعًا بَصِيْرًا ) . [2]

(1) قولُه: (الرَّزَّاقُ) : فعَّالٌ، من أبنيةِ المبالغةِ، ومعناه الَّذي أعطى الخلائقَ أرزاقَها وساقَها إليهم، والرَّزقُ بالفتحِ: العطاءُ وبالكسرِ لغةً: الحظُّ والنَّصيبُ، وشرعًا:"هو ما ينفعُ من حلالٍ أو حرامٍ".

*وينقسم الرِّزقُ الى قِسمين:

الأوَّلِ: الرِّزقُ المطلقُ: وهو المستمرُّ نفعُه في الدُّنْيَا والآخرةِ، وهو رزقُ القلوبِ العلمُ والإيمانُ والرِّزقُ الحلالُ.

الثَّاني: مطلقُ الرِّزقِ: وهو الرِّزقُ العامُّ لسائِرِ الخليقةِ بَرِّهَا وفاجرِها وبهائِمها وغيرِها، وهو سَوْقُ القوتِ لكلِّ مخلوقٍ، وهذا يكونُ من الحلالِ والحرامِ، واللهُ رازقُهُ، قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) . الآيةَ.

(2) قولُه: (ذُو القُوَّةِ) : أي صاحبُ القوَّةِ التَّامَّةِ الَّذي لا يعتريهِ ضعفٌ، وهو بمعنى العزيزِ. انتهى. والقوَّةُ من صفاتِ الذَّاتِ، وهو بمعنى القدرةِ، لم يزلْ -سُبْحَانَهُ- ذا قوَّةٍ وقدرةٍ، والمعنى في وصفِه بالقوَّةِ أنَّه القادرُ البليغُ الاقتدارِ على كلِّ شيءٍ. انتهى. من (( الفتحِ ) ).

قولُه: (المَتْيِنُ) : أي الَّذي له كمالُ القوَّةِ، قال البيهقيُّ: القويُّ: التَّامُّ القدرةِ لا يُنسَبُ إليه عَجزٌ في حالٍ من الأحوالِ. انتهى. فهذه الآيةُ فيها إثباتُ صفةِ الرَّزَّاقِ، وهي من الصِّفاتِ الفعليَّةِ، وفيها إثباتُ صفةِ القوَّةِ، وهي من الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ.

قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) : هذه الآيةُ قد تقدَّمَ الكلامُ عليها.

قوله: (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) : نِعمَ من ألفاظِ المدحِ و (( ما ) )قيلَ نكرةٌ موصوفةٌ، كأنَّه قيل: نعمَ شيئًا يعظُكم به، أو موصولةٌ، أي نعمَ الشَّيءُ الَّذي يعظُكُم به.

قولُه: (يَعِظُكُمْ) : أي يأمُركُم به من أداءِ الأماناتِ، والحُكمِ بين النَّاسِ بالعدلِ.

قولُه: (إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) : أي إنَّه -سُبْحَانَهُ- سَميعٌ لِما تقولونَ، وبصيرٌ بما تفعلونَ، فهذه الآيةُ وما قبلَها من الآياتِ تدلُّ على إثباتِ السَّمعِ والبصرِ للهِ حقيقةً، كما يليقُ بجلالِ اللهِ وعظمتِه، وفيه دليلٌ على أنَّ صفةَ السَّمعِ غيرُ صفةِ البصرِ، إذ العطفُ يقتضي المغايرةَ، فالصِّفاتُ بالنَّظرِ إلى الذَّاتِ مترادفةٌ، لأنَّها كلَّها صفاتٌ لذاتٍ واحدةٍ، وبالنَّظرِ إلى الصِّفاتِ متباينةٌ لأنَّ كلَّ صفةٍ غيرُ الصِّفةِ الأخرى، فالسَّمعُ غيرُ البصرِ، وكذلك العلمُ وهَلُمَّ جَرَّا.

عن أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ أَنَّه سَمِعَ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يَقْرَأُ هذه الآيةَ وَيَضَعُ إبهامَهُ على أُذُنِهِ والَّتي تَليها على عَيْنِهِ وَيَقُولُ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يَقْرَؤُهَا وَيَضَعُ إصْبَعَيْهِ، رَوَاهُ أبو داودَ، وابنُ حبَّانَ في صحيحِه، والحاكمُ في مستدركِه. وعملُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هذا دليلٌ على إثباتِ هاتينِ الصِّفتين، وأنَّهما غيرُ صفةِ العلمِ، وإلا لأشارَ إلى صدرِه، ووضعُه إبهامَيْه تحقيقًا لصفةِ السَّمعِ والبصرِ، وأنَّهما حقيقةٌ لا مجازٌ، خلافًا لأهلِ البدعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت