الصفحة 38 من 233

وقولُه: ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ) ، وقَوْلُهُ: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ وأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) . [1]

(1) قولُه: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى) (( ما ) )مصدريةٌ أي أنَّه -سُبْحَانَهُ- يعلمُ في أيِّ يومٍ تحملُ، وفي أيِّ يومٍ تضعُ، وهلْ هُوَ ذكرٌ أو أُنثى، ففي هذِه الآيةِ إثباتُ صفةِ العلمِ، كما تقدَّمَ، وقد تواطأتِ الأدِلَّةُ على إثباتِ هذه الصِّفةِ عقلًا ونقلًا، وفيها سَعةُ علمِه -سُبْحَانَهُ- وأنَّهُ منفردٌ بعلمِ ما في الأرحامِ وعلمِ مدَّةِ إقامتِه فيه، وهذا أَحَدُ أنواعِ الغيبِ الَّذي لا يعلمُها إلا اللهُ.

قولُه: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) هذه الآيةُ فيها إثباتُ صفةِ القدرةِ لله -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه، فجميعُ الأشياءِ مُنقادَةٌ لقدرتهِ، تابعةٌ لمشيئتِه سُبْحَانَهُ، وقديرٌ فعيلٌ، بمعنى فاعلٍ، بمعنى القادرِ وهي من الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ، كما ذكره في (( الفتحِ ) )قال ابنُ بطَّالِ: القدرةُ من صفاتِ الذَّاتِ، والقوَّةُ والقدرةُ بمعنًى واحدٍ. انتهى.

وأمَّا المقتدِرُ فمعناه التَّامُّ القدرةِ، الَّذي لا يمتنعُ عليه شيءٌ. قالَ أحمدُ رحمهُ اللهُ: القدرةُ قدرةُ اللهِ، واستحسنَ ابنُ عقيلٍ هذا من أحمدَ، والمعنى أنَّه لا يمنعُ من قدرةِ اللهِ شيءٌ، وَنُفَاةُ القَدَرِ قد جحدُوا كمالَ قدرةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وقد قالَ بعضُ السَّلفِ: ناظِروهم بالعلمِ، فإن أَقَرُّوا به خُصِمُوا، وإن جحدُوه كفُروا، وقد استدلَّ العلماءُ على إثباتِ القدرِ بشمولِ القدرةِ والعلمِ، فقولُه سُبْحَانَهُ: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عامٌّ يَتناولُ كلَّ شيءٍ، فيدخلُ فيه أفعالُ العبادِ من الطَّاعاتِ والمعاصي، فإنَّها داخلةٌ تحتَ قدرةِ اللهِ ومشيئتِه، وكما أنَّه المُريدُ لها القادرُ عليها هم الفاعلون لها، الواقعةُ بقدرتِهم ومشيئتِهم، كما قالَ -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .

والقدريَّةُ تُنكِرُ دخولَ أفعالِ خلقِه تحتَ قدرتِه ومشيئتِه وخلقِه، فهم في الحقيقةِ مُنكرونَ لكمالِ عزَّتهِ ومُلكِه، قالَ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في (( الكافيةِ الشَّافيةِ ) ):

وهو القديرُ لكلِّ شيءٍ فهو مقـ ـدورٌ له طوعًا بلا عصيانِ

وعمومُ قدرتِهِ تدلُّ بأنَّه هو خالقُ الأفعالِ للحيوانِ

هي خلقُه حقًّا وأفعالٌ لهم حقًّا ولا يتناقضُ الأمرانِ

فحقيقةُ القدَرِ الَّذي حارَ الورى في شأنِه هو قدرةُ الرَّحمنِ

واستحسنَ ابنُ عقيلٍ ذا من أحمدَ لمَّا حَكاه عن الرِّضى الرَّبَّاني

قالَ الإمامُ شفى القلوبَ بلفظةٍ ذاتِ اختصارٍ وهي ذاتُ معانِي.

فهو -سُبْحَانَهُ- خالِقُ كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكُه، لا خالقَ غيرُه ولا ربَّ سواه، ما شاءُ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكنْ، فكلُّ ما في الوجودِ مِن حركةٍ أو سكونٍ فبقضائِه وقدَرهِ ومشيئتِهِ وخلقِه، وهو -سُبْحَانَهُ- أمرَ بطاعتِه وطاعةِ رسولِهِ، ونَهى عن معصيتِه ومعصيةِ رسولهِ، ولا يتناقضُ الأمرانِ، خلافًا لأهلِ البدعِ.

قولُه تعالى: (وأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) .

فلا يخرجُ حادثٌ من الأعيانِ والأفعالِ عن قدرتِه وخلقِه، كما لا يخرجُ عن علمِه ومشيئتِه.

تنبيهٌ: يجيءُ في كلامِ بعضِ النَّاسِ (( وَهُوَ على ما يَشاءُ قَديرٌ ) )وليس ذلك بصوابٍ، بل الصَّوابُ ما جاءَ في الكتابِ والسُّنَّةِ، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لعمومِ قدرتِهِ ومشيئتِهِ، خلافًا لأهلِ البدعِ من المعتزلةِ وغيرِهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت